والعقاب بمخالفته مع استغنائه عن طاعة المطيعين، وعدم إضراره بمعصية العاصين، هو من جهة مااقتضته الحكمة في وجود الوجود على ماهو عليه من الدَّنيّ والشريف والقويّ والضعيف والخير والشرّ والإيمان والكفر، ليجري ذلك في قسطاس العدل إلى الدَّاني والقاصي والمطيع والعاصي، وذلك بعد أن وهب للمكلّفين استطاعة وافية بالتكليف وقدرةً على تركه، والشاهد بذلك قوله تعالى: ﴿لايُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا (286) البقرة﴾ لقطع المقدرة في ترك القيام به، وجعل التكليف إتماماً لجوده على أهل وجوده إذا كان النعيم الدائم والحياة السرمديّة منوطين بما كلَّف الله عباده من المعرفة، إذ به تخرج النفوس من ظلمة الجهل إلى نور العقل بحقائق الأسرار الإلهيَّة والأشخاص النورانية الممدّة بقواها النفوس الأبرار، وتلك اللذة الباقية والعيشة الراضيّة، فلذلك كان تكليف المعرفة تمام الوجود لما فيه من بلوغ كمال النفس الممكنة لها الذي لايحصل بدونه، وهكذا التكليف الأول من الله تعالى في عالم الظلّ والشبح عند وقوع الإعتراض في الأخبار الصائرة إلى النفوس لقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً (30) البقرة﴾ وهي ملائكة، وبتجرّدها عن الأجسام في عالم الملكوت بقولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ (30) البقرة﴾
والشكّ الواقع في المتجلِّي من المتجلّى له حين قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ (76) ص﴾، ولم يكن ماشاهده من كثافة صورة المتجلِّي له مع انتفاء الجسم عن ذاته إلاَّ من جهة ظلمة الإعتراض في مقابلة الإخبار، والجهل بمعنى الإستخلاف، واتّهام الربّ بفعل غير الواجب في الحكمة، إذ يجعل خليفةً في الأرض يفسد صالحها، ويسفك دماء أوليائه فيها، ولتزكية أنفسهم بالتسبيح والتقديس، وذلك ماحكاه الذكر من قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ (30) البقرة﴾، فردَّ عليهم سبحانه وتعالى على وجه التجهيل لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَالا تَعْلَمُونَ (30) البقرة﴾.
ثمَّ أجزاهم التكليف الثاني بعد انهباطهم من دار القرار إلى دار الدوران ومقارنة الشيطان جزاءً لاعتراضهم عليه فيما أخبرهم به، ووعدهم قبول التوبة في متابعة الهدى الآتي منه بقوله لهم: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) البقرة﴾.
فجعل ظاهر التكليف الثاني إصراً على المصرِّين على المعصية، ونوراً مخرجاً من ظلمات الطبيعة للنفوس التائبة إليه ليظهر في العاصين عدله، وفي المطيعين فضله، أفاد الهابطين أبصاراً ناظرة وأسماعاً واعية وعقولاً هادية، وهداهم النجدين، ودلّهم على المقامين، ونزَّه نفسه عن ظلمهم بعد تقديمه الحجّة وإيضاح المحجّة بقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118) النحل﴾.
وأبان دعاءه إلى الهدى وعدْلهم عن الضلالة بقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا العَمَى عَلَى الُهَدى (17) فصلت﴾، فتمت كلمته صدقاً فيما قضاه وعدلاً فيما أمضاه.




