فلا تُعرَف إلاَّ من مباديها، ولا توجَد أسرارها عند غير أهلها، وكيف تُحصَل جواهرها بعوارض الأعراض، وتُدرَك أشعّة شموسها بالأبصار المِرَاض، وإنما تظهر بالدليل، ويُسلَك إليها في نهج السبيل، وقد تفاوتت مراتب طلاّبها، واختلفت مراتب طلبهم وحالاتهم عن إدراكها فهمه، والمعرفة بهذا المقام تنهي مَن عرفها أن يصرف وجهه عن الكلام على ماوهبه الله من العلم الإلهي ولو كان يسيراً من كثير، لأنَّ كلّ رتبة من مرتبة سماءً لمن دونها أرضٌ لما فوقها، ولا سبيل للسالكين إلى الوصول إلى سماء المعرفة دون العروج في الدرجات المتوسطة بين درجته وبين تلك الدرجة العليا بالأخذ عن تناهي كلّ درجة يسلك فيها حتى تنتهي الخطوط إلى مباديها، وتقف العقول عند باريها.
فقد ورد في الكتاب الموسوم بالصراط في مسالك المؤمنين بعد خلعهم قمص التأجيل واللحوق بدرجة اللاحقين غير نور الممتحنين، فيُلقَى إليه سرُّ من علم الحقّ لم يمرّ على سمعه في البشريَّة، فإذا ثبت عليه وعمل به رُقِيَ رتبة المستمع، فيتجلَّى له المخلص فيلقي إليه سرّاً لم يسمعه في درجة اللاحق، فإذا ثبت عليه وعمل به رُقِيَ رتبة السائح، ثم لم يبرح يرقى رتبة بعد رتبة، ويسمع سرّاً بعد سرّ حتى ينتهي إلى رتبة المقرّب، وهي غاية مايقطعه العارف من الدرجات العلى وهي سدرة المنتهى التي عندها جنّة المأوى.
***
وإنما أوردت هذا الفصل تنبيهاً على علم الله تعالى والذي بيَّنه لأوليائه كي لايقف السالك إلى الله تعالى عن طلب الزيادة من المعرفة، ويعتقد أنَّ الغاية في سبب ماحصل له منها مع وجود كتب مشايخ أهل التوحيد، وذلك في بيان تفاوت المقامات في العلم الألهي، وإنَّ كلّ أدنى يأخذ من فوقه، فنظرت بنعمة الله عليَّ امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَأمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَّ فَحَدِّثْ (11) الضحى﴾، لتشتدّ بذلك رغبتهم في الوصول إلى ماوصلتُ إليه، وتسمو همّتهم إلى العمل على ماأنا عاملٌ إليه، على أنّي أدنى المؤمنين مقاماً، وأقلّ العارفين عرفاناً، وإنما يعلو مقامي على الطالبين الذين لم يبلغوا أشدّهم، وارتفاع مقامي عليهم في مدّة الطلب فقط، وإذا بلغوا مابلغتُ صار اللاحق بي منهم سابقاً لتقصيري في العلم، وقصور ذهني عن الفهم.
وبهذا التقرير تجاسرتُ على تأليف هذه الرسالة غير جاهلٍ بضعف عبارتي وقلّة مادتي في إيضاح جليل ماالتزمت عليه من الكلام من العلوم الحقيقية والأسرار الباطنة الخفيّة، وأعوذ بعصمة مولاي العليّ من التحريف والتبديل والتصحيف.
***
التقرير الثاني: إعلم علَّمك الله الخير أنَّ سبب ماافترضه الله على عباده من معرفته وتوحيده، والتصديق به والإخلاص له، ونفي الصفات عنه، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، واتّباع أوامره، والتعليق بطاعته،




