مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

خَيْرُ الصَّنِيعَةِ فِي مُخْتَصَرِ تَارِيخِ غُلَاةِ الشِّيعَةِ - الْجُزْءُ 1 - حُسَيْنُ مَيْهُوبُ حَرْفُوشٌ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 256 من 298

" أمَّا بعد: فإني رجعتُ إلى مدينة سنجار بعد الهجرة، ووردت ماءها، وآجرت نفسي، وقضيت الأجل، وأكملت العدّة، وخرجتُ مستأنساً نار الهداية من وادي التجلِّي في مفازة الخير، وسمعتُ النداء من الشجرة المباركة العالية عن حدود الأين بواسطة الداعي ووحي العقل، وقد سألني مَن وجبَ حقِّه عليَّ وحسن ظنِّه بي وصحَّت الأخوَّة بينه وبيني في المسارعة إلى شأنه بملتمسه في أن أُؤلِّف له رسالةً جامعة لأقسام العبادات الخمس المشروعة على لسان الناطق في ثامن مقاماته الذاتية من الصيام والصلاة والحجّ والزكاة والجهاد بعد أن أُبيِّن الظواهر الأصليَّة ومجازها وحقيقتها، والإسلام الذي بُنِيَت الظواهر الخمس على ظاهره، والإيمان الذي لاتُعرف بواطنها إلاَّ به، وأقسامها، ومجاز الإسلام وحقيقته، ومستقرّ الإيمان ومستودعه.

فبادرت بعون الله وحسن توفيقه إلى تأليف هذه الصورة المسطورة، وبذلتُ فيها جهد العاجز، وذلك سنة (620) ه سنة عشرين وستمائة، ثمَّ إني أهملتها مسودة حياءً ممَّن يقف عليها لقصور عبارتي في إيضاح تنقيح معانيها، ولعدم ثقتي بصحّة نظري في ترتيب فصولها ومبانيها.

وفي سنة (627) ه السبع وعشرين وستمائة: جرت بيني وبين سعيد الموفّق أبي جمال الدين بن مكَّة مذاكرة في معناها، فذكرتها له، فسألني الوقوف عليها، فاعتذرت بعدم تنقيحها، فأعاد عليَّ السؤال ثانياً وثالثاً في نساختها.

ولَمَّا لم أجد لي سبيلاً إلى الإعتذار عن ترك إجابته: بادرتُ إلى تقديم قواعدها وقوانينها، وإيضاح أدلّتها وبراهينها لاشتمالها على فروع شجرة طوبى العالية عن جهة الحيز الدانية بقطوفها لأفهام المخلصين للحقِّ التي حرَّم الله الفردوس على الجاهلين بثمارها الآتية أكلها في كلِّ حين، لأنها باطن ماشرع من العبادات، وحقيقة مادعت إليه الدعاة من الصيام والصلاة والحجّ والزكاة والجهاد، وسائر الأمور الشرعيات، وعلى معرفتها والإقرار بها الثواب، وعلى الجهل بها والإنكار لمعانيها العقاب، وقد سمَّيتها: تزكية النفس في معرفة بواطن العبادات الخمس ".

وبناها على ماتقدَّم ذكره من المعاني، وحيث أنَّ مقدّمته جمَّة المعاني أحببت وضعها في هذا الملخّص إتماماً للفائدة، وهو قوله: وأمَّا المقدّمة ففيها تقريران:

التقرير الأول: إعلم ايُّها الأخ البرّ الرحيم، جعلك الله ممَّن استقرَّت عندهم معرفته، وتمَّت لديهم في الملكوت الأعلى نعمته: إنما أوجب الله تعالى طلب العلم على كلِّ عاقل استلزم ذلك الوجوب، وجوبُ بذله لأهله على كلِّ عالمٍ لاستحالة حصول ماوقع به التكليف بدون العلم، وذلك على اختلاف مراتب العلوم الحقيقية ومجازاتها، خصوصاً في العلوم الخفيَّة فإنها بعيدة عن كسب الخيال، غامضة عن بديهة الفكر، محجوبة عن تصوُّر الفهم،

الصفحة 256 من 298