مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

خَيْرُ الصَّنِيعَةِ فِي مُخْتَصَرِ تَارِيخِ غُلَاةِ الشِّيعَةِ - الْجُزْءُ 1 - حُسَيْنُ مَيْهُوبُ حَرْفُوشٌ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 249 من 298

لأنه لم ينتجع في شعره مديح أحد، فاستخرج الدرّ المكنون والجوهر المصون من صدق أفكاره، ونظمها في سمط أشعاره، وطالما كانت الشعراء يتبعها الغاوون، وتراهم في كلِّ وادٍ يهيمون، وأنهم يقولون مالا يفعلون ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيراً (227) الشعراء﴾

فنشاهد هذا منتقلاً من عذيب النسيب إلى منحنى الغزل، مستأنساً بخضرة الدّمن وآثار الطلل، وذاك واقفٌ بأعتاب كبير قومٍ يوسعه مدحاً وثناءً، ويشبعه وصفاً ودعاءً، طمعاً بمالٍ يستفيده، أو مفخرٍ يستزيده، وآخر مأخوذاً لمناظر الحدائق الغنّاء، مجذوباً بمظاهر الإنس ومجالي الصفاء.

حتى جاء المكزون، فأراد صرف الشعراء عن سبيل الغواية، ففتح للشعر باباً مؤدِّياً إلى الحقائق، وأقام لهم هذا الديوان مناراً يمدُّ المستهدين بنوره، ويصلي الغاوين ناراً، وقد أشرقت من مطالعه بدور الكمال، ولاح الزهد بشعار الحلال لما كان عليه ناظمه قدّسه الله من الإعتصام بعروة التوحيد الوثقى، ومن الإنقطاع عن زخارف الدنيا إلى الهيام بمحاسن العزَّة الإلهيَّة، ومن الإنشغال عن دواعي اللهو إلى الكمالات الإنسانية التي هدته إليها مباديه الشريفة الصوفيّة.

ولقد أودع في ديوانه من كلِّ فنٍّ أحسنه، وعلْمٍ أتقنه، من توحيد وحكم، واحتجاجيات على الفرق، مايؤيِّد به مذهبه معقولاً ومنقولاً.

وقد اعتنى بشرحه الأستاذ الفاضل شيخنا العلاَّمة الشيخ سليمان الأحمد المعزى إليه نسباً بسؤال من الشيخ محمد أفندي ياسين اليونس، أكثر الله من أمثالهما محييّ العلم وببذله لأهله.

ولقد أجاد بشرحه حتى أصبح ورداً يعذب، ولو رمنا أن نستقصي فضل هذا العرِّيف لم يسعنا ذلك، لأنه صوفيّ ولسنا هناك

وله من القصائد ماطال إلى مائتين وأكثر، وغيرها ممَّا قلَّ أو كثر من قطع وبيوت، ومنها القصيدة الوهبيَّة التي تكلَّم فيها عن متن المنطق كلّه، وغيره من العلوم كالنحو والصرف والهيئة، وجعلها توحيداً محضاً، وفسّرها كثيرون كالشيخ علي سلمان المريقب، والشيخ عيسى عمران كنكارو، والشيخ أحمد حسن قرقفتي، والشيخ سليمان أحمد.

ومحتويات قصائده علومٌ شتَّى: نحواً، فصرفاً، فبديعاً، فبياناً، فهيئةً، فمنطقاً، فعلم الجبر والمقابلة والجذر والفلسفة (أي الحكمة الطبيعية) كما يتضّح في الوهبيّة وغيرها.

ولم يمدح أحداً إلاَّ بقصيدة واحدة، مدح فيها السلطان عماد الدين والدنيا حاكم آذرنة، السلطان الصالح الأيوبيّ، وبراعتها:

حتّامَ أقرُب من حماك فأُبْعَدَا *** وعلام تهجرني جُعِلْتُ لك الفِدا

الصفحة 249 من 298