كان بآخر القرن السادس لتأليفه المسائل سنة (598) ه في العشر الأخير من رمضان رضي الله عنه، وهو العالم الفيلسوف، ذو منطق وعلوم عقليّة كما يظهر في مسائله اللائي سأله عنهنَّ نصر بن معالي الخرقي من بلد جبلة، وهنَّ اثنتا عشر مسالة دقيقات، فأجاب عنهنَّ بما أثبته الفحص، وبُنِيَ عليه البرهان، وقامت به البيِّنة.
وفي شرحه لبعضهنّ مايكاد يفوت فهم مَن لم يكن عنده دراية للمنطق والهيئة، وقلَّ ماغَرُبَ على عارفهنّ بشيءٍ من التوحيد والمعاني اللازمة، حتى عدّه البعض من أجلّ فلاسفة الشيعة، وقد نقضَ على السائل ببعضهنّ لقوله بالأولى عن الأرواح: " ولو عكسَ الشيخ فقال: لتكمل هي بالمحسوس والمعقول، ويتضح لها العلة من المعلول: لما كان عليه اعتراض فيما يقول ".
لأن السائل سأل عن الأرواح فقال: منها ليكمل بها ماكان ناقصاً من المعقولات الأرضية والمعلولات الدنية.
فأجابه: " لايجوز أن يكون أهبطها ليكمل بها (السؤال)، فيكون غايتها سيكمل بها ماهو أفضل منها، ولو عكس... إلخ...
والظاهر أن السائل انتخبهنّ ليبلو بهنّ علماء الوقت، فلم يتصدَّ لهنَّ أحد حتى وصلنَ إلى الشيخ أحمد، فابتدر يردهنّ كما يظهر من قوله: " ولم نذكر هذه المباحث العقلية إلاَّ ليعلم الشيخ حرسه الله أنَّا قادرون على البحث والتعليل ".
واقتصرنا على السمعيات، لأننا وجدنا أكثر الجماعة حرسهم الله يختارون الأخبار المنقولة، فعدَلنا إلى مايختارونه، وهنَّ مسائل لم يسمع الدهر بمثلهنّ، تكلَّم بهنّ عن علومٍ شتى، فلسفة ومنطقاً وطبيعةً، كقوله بالمنطق عن الإنسان: " أمَّا الإنسان فمهمل لايستحقّ حمداً ولا ذمّاً، فليس هو الإنسان الذي علَّمه البيان، ولا الإنسان الذي كان ظلوماً جهولاً، وأمَّا حدُّهُ فالحيُّ الناطق والميت، والحدُّ يتركَّب من جنسٍ هو أقرب الأجناس إلى الشيء المحدود، ومن فصل إن كان له فصل واحد، وإن كان عدَّة فلا بدَّ من استيعابها، فالحيُّ الإنسان جنس، والناطق والميت فصلاه ".
وتكلَّم عن سبب حركة العالم وسكونه، فقال فلسفةً: " فالحركة إمَّا طبيعية كحركة الحجر إلى أسفل طلباً للمركز، والنار إلى فوق طلباً للأثير، وإمَّا قسرية كحركة الحجر إلى فوق، أو كحركة كل ماليس فيه شيء يضادُّ عنصره، والحركة الإختيارية ليست إلاَّ لما فيه نفس، فالنفس هي المحرِّكة، وهذه النفس معلولة النفس الكليّة التي هي باب الرحمة وينبوع الحكمة، والنفس الكلية تتحرّك بجرمها السماوي إلى علّتها الذي هو العقل حركة تشوُّق إلى تلك العلّة الفاضلة والنعمة الشاملة، فهو يتحرَّك لطلب تلك العلّة، ولا يسكن دونها كحركة العاشق إلى معشوقه، وكلُّ متحرِّك إذا بلغ غايته سكنَ كالمتحرِّك حركة طبيعية أو قسرية ".




