14 - زيد بن عمّار الجنبلاني الضرّاب
تلميذ شيخنا وسيِّدنا أبي عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي، كان عليه السّلام عالماً علاّمة، ذكره محمود بن عسكر الزجاج في كتاب النسب وأثنى عليه وغيره، وله مؤلّفات شتّى منها: رسالة قال فيها بعد حمد الله والثناء عليه: " أقول بعد ذلك قولاً يُزيلُ الشبهات ويدفع الإفتراءات، وينقذ من السيئات، وينجي من الهلكات، وتقبل فيه الصلوات، وفيه فكاك الرقبات وإقالة العثرات.
إن الله لم يخلق الخلق عبثاً، ولا أهملهم سدى، ولا دعاهم إلى عدم، ولا أحالهم إلى غائب فيجهلونه، ولا إلى موجودٍ ليعرفونه، ولا كلّفهم مالا يبلغونه، ولا حمّلهم مالا يطيقونه، بل دعاهم بذاته إلى توحيده، ودلّهم بظهوره وفيهم وجوده، وجعل فيهم القدرة والإستطاعة، ودلّهم على النجاة والطاعة، فخلق لهم العيون لينظروا بها، والألباب ليتفكّروا بها، والألسن لينطقوا بها، والآذان ليسمعوا بها، ثم أظهر القدرة القادرة والدلالة الباهرة والمعجزة القاهرة كي يعرفوه بوجوده، ويدخلون إليه من طريق توحيده، أحبَّ أن يُعبَد بطريق الصدق بما جاء عنه حين عرّفهم نفسه ولو عرفوه، وأراهم قدرته ولو عبدوه، أقام فيهم رسولاً وأمرهم بطاعته والقبول بما جاء به، فصرَّح بأحديته، وعرّض بألوهيته، فقال: لترون ربكم كما ترون القمر لاتُضامون في رؤيته.
وقال عزّ من قائل: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) القيامة﴾
فوجدنا الناس في التوحيد على أهواءٍ مختلفة، وآراءٍ غير مؤتلفة، فأردنا أن نبيِّن الطائفة العالية بتوحيد العين من صحيح الإعتقاد، وأنهم ذوي الرشد من طريق القصدِ والإيجاد، ليسهل مدخله ويقرب على متعلِّمه ليتوفّر به الأجر والثواب، ويحسن لنا في العاجل من الذكر لمن سلك طريقنا على الأثر، وأنا أثبت ذلك بشواهد من كتاب الله وأخبار رسول الله ليكون ذلك للناظر فيه شافياً، وللطالب والراغب كافياً.
فأول ماأستفتح به رسالتي وأجعله ابتداء مقالتي: الشاهد من كتاب الله تعالى، قوله تعالى: ﴿اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) البقرة﴾ ".
ملخّص القول بما تقوم به الحجّة وتوضح المحجة من قدر وبراهين كخبر الدهقان والعمالقة، وجزر الفرات، وعلمه بالخمسة التي انفرد بها كعلم الساعة، والغيث، وقصّة عبد الله بن سبأ، وغيرها تدلّ على معنوية العين، ليعلم الفطن اللبيب العارف الأريب أنَّ هذه الأفعال لايفعلها مخلوق، ولا يستطيع أن يأتي بمثلها الآدميون، وإنما هذه من أفعال القادر القاهر الذي لايقدر أحدٌ من العالمين أن يأتي بها غيره.
***




