وبالأثر يستدلّ على المؤثر، ولقد أبدع بكتابه بذكر آيات وبيِّناتٍ وشواهد محكمات، ومعاجر على الحقّ باهرات، وتراجم عن مؤمنين ثقاة، وأتى ببعض أشعارٍ لهم وقطع رايقات على التوحيد دالاَّت، وخير ماأخذ ماكان دليلاً على نفسه.
قلت: والظاهر أنه عُدِمَ من رسالته جزء كبير، كما يظهر من سياقة الشرح، واستشهاده بالآيات القرآنية الدالّة على وجود الذات القدسية بالصورة المرئية، فضلاً عن الأبواب الأربعة التي ذكرها في أول الكتاب، فإننا لم نجد لها خبراً ولا عيناً ولا أثراً.
ومن كلامه بوجود الحقّ ورؤيته، وأكبر شاهد وبيان، وإليه يرجع أهل القبلة قوله بفاتحة الكتاب: إيّاك نعبد وإيَّاك نستعين، وهذا الخطاب بالكاف عند سائر المتكلمين لايكون إلاَّ لمن هو موجود ومرئي مشهود ومواجه لمخاطبه.
وإن قال قائل واعترض معترض وقال: هذا خطاب نبيِّه، وكان يراه دوننا.
فنقول له: هذا خطاب المنبأ زيد بن حارثة.
وبلا خلاف أن عالم الملكوت يرون المعنى حسب منازلهم النورية واستطاعتهم الجوهرية بتمكينه لهم وذلك حسب القوة الفايضة عليهم من الفيض الإلهي السرّ المعنوي من حيثهم وشاكلتهم، وهو من حيث هو ظهوره لما شمل بعدله، وظهوره للعالم النوراني شمل بعدله ولطفه العالم الجسماني بظهوره لهم.
ولو كان الأمر على مايتناوله المعترض له: لم يكن القرآن وصل إلينا، ولامست تلاوته ألسنتنا وأيدينا، والقرآن هو السيِّد الميم وليس في أيدي المشاهدين فقط، وكان القرآن محجوباً عمَّن خالفه، ولم يكن لنزوله إلينا فائدة، ولا له علينا عائدة، والقرآن الميم، وآياته ظهوراته في كل كور.
***
6- الخبّاز الصُّوري الشاعر الشهير اللغوي
كان عليه السلام شاعراً مفلقاً، لم يكن بوقته مَن هو أشعر منه كما سترى من أشعاره، وكان محلّ إقامته بصور، وشاهده أبو الخير، وله في النظم أشعارٌ كثيرة، ولا يخلو من منثور.
ومن أشعاره ماهو في غاية الرِّقة والإنسجام قصيدة مدح بها المرتضى، مطلعها:
ياعاذلي رِفقاً بصَبٍّ ناحل *** قرح الجفون بدمع عينٍ هاطلِ
قصيدة تعدو الثمانين بيتاً، وكان بعهد أبي سعيد ميمون وله معاشراً، وبه مدائح منها
قصيدة حينما دحض أبا ذهيبة، فقال معرّضاً بذلك، وأول القصيدة:
إنْ كنتَ مِن صورَ عزمتَ رحيلا *** فلتتُركن في القلبِ منكَ غليلا




