ومذ وجدتني بفضله تعالى على مثل ضوء الشمس من اليقين في التوحيد، وارتويتُ من معينه، وتدبّرت في مأثور العلماء الراسخين والعرفاء الشامخين، وسرتُ في جملة ماصنَّفوا، فلله عظيم جدّهم وجهادهم، ودرُّهم ودرُّ آبائهم وأجدادهم، فإنهم ماتركوا مقالاً لقائلٍ وتحقيقاً لصائلٍ، وقد مثَّلَتْ لنا مرآة الزمان من علماء بيت شعبة وأمثالهم ملوك العلم وهياكل الفضل وملائكة الحكمة والفلسفة.
وأنتَ تعلم أن القوم سابقهم ولاحقهم من بحرهم نغترف، وبفضلهم نعترف، ولهم سابقة التأسيس، وفضل التقدُّم، ولهم فضل التعليم، ووظيفتنا منهم التعلُّم، لأنهم تفلسفوا بعلوم قدسيّة لم يعبئا بالحسيِّات، وجوهرية لم يلتفتوا إلى العرضيات، فلذلك لم ترهم يتكلّمون إلاَّ بما ينفع الروح أو يضرّها، وكفى.
نفُوا عقائد مجملُ كلماتها فارغة، واصولاً عاميّة غير سائغة، وخيالات موهومة، ومعانٍ غير محصّلةٍ ولا مفهومة، وهي العلوم الظاهرة، وعوّلوا على ماهو أجمع، وبرحمته أوسع، وهو علم التوحيد.
حبَّذا لو أنَّ لغوية الشيعة الذين أنفذوا أعمارهم الثمينة في بحث ودفائن اللغة، ومساجلات التنازع والمجادلة، التفتوا لأمرٍ له من الأهميّة الحظّ الوافر والقسط الوافي، وحلُّ جُمَلٍ في التوحيد، أو نظم منثوراته.
حبَّذا لو عمدوا إلى ماسجّلته كبار الموحِّدين من الأدلّة والبراهين على أصول التوحيد، فبكسونها حُلَّةً من البيان، ولا قضوا ماقضوا في تلك النواصع من الحِفاظ، وفي الحديث القدسي: إن الله يحاسب على النوايا، ولا يحاسب على الألفاظ.
ومعاذ الله أن أحسبَ أني من أهل التأليف والإرشاد، أو أرى صلاحيتي لهذه المنزلة العُليا، ولكن أردتُ أن أخدم أمتي ولا أبخل بما عندي على إخواني وتلامذتي وأخداني، وكلِّ راغبٍ في الحقّ طالبٍ للحقيقة، أحببتُ أن أقدِّم إليهم وجيزةً في الأصول التوحيدية التي تُبتنى عليها كل شريعة، ورحمَ الله امرءاً عرف قدره ولم يتعدَّ طوره وعلم من أين وإلى أين، تأليفه في الدين القويم الذي يتكفّل في كل شرفٍ وسعادة ببراهين متقنة مبيّنة، راجياً من طالبِ الحقّ مراجعتها بإنصافه، وعرضها على صريح عقله بعد تجريده عن غواشي الظنّ والهوى.
وإلى الله أتضرّعُ في أن يجعلها خالصةً لوجهه الكريم، وذريعةً للقرب في دار النعيم، وكفّارةً تضع ماكان في ميزان سيئاتي أو سيكون، وترفع ديوان حسناتي إلى مقامٍ يشهده المقرَّبون، نافعةً لي ولإخواني يوم لاينفع مالٌ ولا بنون.
رجائي أن ينظروا في هديتي هذه بعين الموادعة والإنصاف، لابعين المنازعة والإعتساف، ويلحظوها بلحاظ الإشفاق والقبول، لالحاظِ الساخط الملول.




