ذكره الجديلي بتجريده وأثنى عليه، وأخبر أنه ممَّن أنكر قول سراج الدين، وذكر الجديلي له عند ذكره العلماء المشارقة الذين ردُّوا على الحلوليين بقوله: فهم مثل الفرّا الشيزري، وأحمد السعدي، وابن جبّ الفارسي، والسوّاق البصري، وابن تغلبة اللاحقي، والشاعر الجزري، ومنتجب الدين العاني.
ومَن يقرأ قصيدته التي مطلعها:
هَمَّ بقلبي قَلقَلَ الأحشاءِ *** وهوىً لَعِلْوَةَ فصَّلَ الأعضاء
وتأمَّل غزله الرائق، ومعانيه الفائقة الكبيرة، وتخلّصه بمدحِ الوصيِّ: يستدلُّ على علوِّ فكر الشاعر وقوّة إرادته والمعاني التوحيدية، كيف تخلص فيها.
وكذلك قصيدته البائية التي يقول فيها:
وكيفَ أمدحُ مخلوقاً وأغفلُ عن *** مدْحِ الموالي بقولٍ ليس بالكذبِ
وقد أحببنا أن نتحف بها المطالع ليرى ويروق له معانيه الفائقة وألفاظه العذبة الشائقة:
خرجتُ متَّبعاً للهو والطربِ *** مع كلِّ ندبٍ كريمِ الأصلِ والحسَبِ
نرخي المطيَّ إلى دَيْرٍ علا شرفاً *** في أرضِ مصرَ وقرص الشمسِ لم يغبِ
حتى أنحنا مطايانا براهبةٍ *** عند المساءِ وقد نبنا من التعبِ
فصحتُ ياراهبَ الدَّيْرِ المطلِّ على *** هذي الكنائسِ جُدْ للمدنفِ الوصبِ
في بنتِ كرمٍ وخُذْ ماأنتَ طالبه *** مني من المال، ناداني أَلاَ اقتربِ
فقلتُ كلاَّ وربِّ العرشِ فأتِ به *** مني وخُذْ وزنها من خالصِ الذهبِ
فقال قسيسُ ذاك الدَّيْرِ ما *** طلبَ الرجالُ منك فلم يبدأ ولم يجبِ
قالوا وما تبتغوا ياركبُ؟ قلتُ له *** شربَ المدام، فأدناني ورحَّبَ بي
فقلتُ: ياأيها القسيسُ إنَّ لنا *** حقٌّ عليك، وحقّ الجار لم يخبِ
وأقبل الشيخ نحوي ثم قبّلني *** وقال: مَن أنتَ خبِّرني عن النسبِ
فقلتُ آبائي من ذا الخلق قد شرفوا *** من فارسٍ، ثم أخوالي مِنَ العربِ
أنا ابن جبَّ الذي ذلَّ القريضُ له *** ذو همّةٍ لقضيبٍ غير منقضبِ
وقال: أهلاً وسهلاً فيكَ مِن رجلٍ *** حاز المكارمَ من قومٍ ذوي أدَبِ
وجاءني بمدامٍ خلتُ بهجتها *** نوراً من الشمس في كأسٍ من الذهبِ
حتى إذا مامزجناها بدا عجبٌ *** من عسجدِ الخمرِ يجلو لؤلؤ الحبَبِ
فلم نزل في السرور طولَ ليلتنا *** نلهو حبَّذا للعب في القضبِ
تشدو لنا وهي بالأوصاف تطربنا *** عرِّجْ على الدَّيْرِ شاطىء جانب الغربي
حتى إذا مابدا ضوء الصباح لنا *** ضجَّت نواقيسهم للصبح بالصّخَبِ
فقسَّسَ القسُّ للإنجيلِ تاليهُ *** بحسن لحنٍ، وصوتٍ رائقٍ طربِ




