مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

خَيْرُ الصَّنِيعَةِ فِي مُخْتَصَرِ تَارِيخِ غُلَاةِ الشِّيعَةِ - الْجُزْءُ 1 - حُسَيْنُ مَيْهُوبُ حَرْفُوشٌ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 12 من 298

به وتجاذب أطراف الكلام.

لي كلماتٌ عسى يقنع بهنّ الناظر، فنقول: إنَّ العلم والعمل هما فرضٌ في نواميس الحياة، وأصول تنازع البقاء، لامندوحة لذي صحّة عن عملٍ يبتنى على علمه اللازم له واللائق به، وإلاَّ فالعلم بلا عمل كالبناء على غير أساس، أخلق به أن ينهار على صاحبه.

والعلم والعمل هما المعينان والعضوان العاملان لكل ساعٍ إلى سبيل الغاية الحيوية والسعادة الأبدية، وليعلم أن التوحيد الذي هو معرفة الله هو الشرف والسعادة التي يكدح إليها اللبيب في السعي، والغاية التي يجهد عليها في الوقوف التي من أجلها كان، وفي سبيلها وجد، وكفى دليلاً به يعملون: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (9) الزمر}، و ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) الذاريات}.

والشرف بما يقدّمه الساعي لنفسه من المآثر التي تعود بنفعٍ على أمّته وأبنائها، فتخلد فيما بينهم الذكر الجميل، وإن العابد والعبادة النفيسة وإن كان لكل فضلٍ ليست من الشرف كالعلم والعمل، إذ فضل العبادة ينحصر في فرد دون الجمع، وفضل العلم أعمّ وأعظم نفعاً.

وكنتً مذ عرفت ليلي ونهاري لم أصبُ ولم أتعلّق إلاَّ بمدارسة وممارسة الكتب، ومزاولة العلم والتعليم، واللحوق بأهل الفضائل، والمثول بين يدي الأكبار والأماثل، اقتباساً من فوائدهم، وتطفُّلاً على موائدهم، وكانت جامعةُ هوايَ ونزعة صبوتي ومُيولي، وأشدّ رغباتي إلى خاصتي علمين من العلوم، ولعي فيهما على تباعد المسافة وتباين الغايات والمبادي منهما:

أولهما: علمُ اللغة القمين بتهذيب الكلام، وتشذيب اللسان، ومانح الإنشاءات الأدبية

في الأساليب العربية نظماً ونثراً.

ثانيهما: علم التوحيد والفلسفة الروحية، بتوسعة الفكر في المعارف الإلهية، الدافعة إلى كل فوز وسعادة، ذاك إذا بُنِيَت على أصولها الصحيحة ومباديها المتقنة، وأُخذت من ينابيعها الغدِقة ومناهلها المودقة، وهم أهل البيت الأئمة المعصومين عليهم السّلام.

غير أني لاأبرح أختلس لموضع صبوتي من ذينك العلمين سهماً، وأجعل لهما من وجه عنايتي نصيباً، وعلى الأخصّ علم التوحيد الذي يغني عن سائر العلوم الذي أَذْوَيْتُ في تحصيله وريق عمري وريق دهري، وقد تسنَّى لي الظفر بعدّة من المهرة المتضلّعين فيه يعزُّ وجودهم، أحسنتْ إليَّ أيدي العناية صنيعها إليَّ حتى ساقتني إليهم، وألقتني التجولات نازلاً في حواضرهم، ونلتُ من ممتع نوالهم، وكرعتُ من مناهل فضلهم حتى استوفيت ماتيسَّر به وشاءته لي العناية الإلهية.

الصفحة 12 من 298