فأحببتُ أن أبتكر هذا الفن نظماً ليكون لمن بعدي طريقاً ورسماً، عسى أن تفيد هذه الصناعة وتروج ربحاً هاته البضاعة، وجعلتها أَلْفيَّةً، وهي قصيدة على رويّ واحدٍ، تأتي بجملة قصائد لمن يروم منها حفظاً، ويتأمّل غرضها لحْظاً، وفصّلتها أقوالاً، كلُّ قولٍ بغرضٍ من الأغراض المعنوية، لتسهل تناولاً، وتقرُب تأوُّلاً، مريحة المنال، جمّة النوال على حسب مايقتضيه الغرض بكل مقصد يقصده، وما يروم فيأتيه ويتأمّل معانيه، وإن كنتُ لم أرَ من أحذو حذوه في هذا الفنّ، فإني معترف للسادة والشيوخ المتقادمين عليَّ من الفضل والمنّ، إذ بعلمهم اهتدينا، وبقولهم ورأيهم اقتدينا، فلا تضجر مطالعها بتنقّله من قول إلى سواه، ولا تملّ سامعها بغرابة لفظٍ يبعد معناه، وفهرستها نثراً، وإن كانت أقوالها شعراً، ليقرب على الطالب نيل المراد بكل ماأراد، وأقوالها وتلاميحها كآتي الخزائن بمفاتيحها، يرى في كل خزينةٍ مالم يره في غيرها.
وكنتُ منذ ولادتي في التوحيد وشبيبتي به، أحدِّث نفسي وأمنِّيها على عثورٍ على موضوع كهذا الموضوع، ويؤخّرني الخشوع عن التطفُّل على مقام الموحِّدين، وعدم أهليتي واقتداري على هذا المبدأ المنيع والمنصب الرفيع، الذي لايصل إليه إلاَّ من أشرقت شمس العناية عليه.
وقد كان سبق لي تدريس العلوم الأدبية كالصرف والنحو البديع والبيان، وعمري إذ ذاك لايزيد العشرين، ومُذْ تعلّمتها ابتدأت بالتعليم، وفتح مكاتب علميَّة في محيطنا، ونذرت التعليم عفواً في سبيل ربي وابتغاءَ وجهه، فعلَّمتُ تلامذة شتّى نبغوا في اللغة، وكانوا يكفونني مهنة تعليم الأحداث، وعلّمتهم العلوم الظاهرة.
وحيث أن العلوم الظاهرة لاتفي لهم بغرض، ولا تقع موقع العلاج الناجع للمرض، فألّفتُ هذه الألفيّة لتكون لهم مرجعاً يرجعون إليه ويعوِّلون عليه، ومكنتها بحجج فلسفية زيادة على النقلية، وسمّيتها " الأقوال الواضحة في الأنوار اللائحة "، وأنا على استحياء من دناءة مقامي عند العلماء البالغين، وفضول كلامي لدى الموحِّدين، وخوف وشك السفر، وفوات نيل الوطر: بادرت للشروع في المشروع بعد تقديم رِجلٍ وإرجاء أخرى، وكثيراً ماكنتُ أردِّد بيتيّ العالم المبرور " الشيخ علي بن منصور " قدّسه الله اللذين يُذكران كل هصورٍ في مضي العمر:
فما عذرُ مَن قضى ثلاثين حجّةً *** وسِتٍّ عليها في حساب مزيده
مضى العمر منِّي في الأماني والرجا *** وركبُ المنايا مستحثٌّ وفودهُ
وعمري إذ ذاك اثنتان وثلاثون سنة حين ألّفتها، وذلك سنة (1342) ه ألف وثلاثمئة واثنتين وأربعين، ولإتمام الغرض في المقدمات قبل الشروع في المقاصد، وهي لزوم المعرفة ووجوب النظر، وهو بابٌ جرت العادة فيه عند بعض من المؤلِّفين القدماء على الإفتتاح




