ثُمَّ إِنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ تَرَى حَرَكَتَهُ وَمِشْيَتَهُ، وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ وَنَوْمَهُ، يُشْبِهُ وَيُشَاكِلُ أَكْلَ الْبَهَائِمِ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُكَارِيَ يَحْمِلُ ثِقْلَ حِمْلِ الْحِمَارِ، وَيَمْشِي كَمَشْيِ الْحِمَارِ، وَالْجَمَّالُ يَحْمِلُ تَقْرِيبًا حِمْلَ الْجَمَلِ الَّذِي يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَهْنَأُ لَهُ أَكْلٌ وَلَا شُرْبٌ إِلَّا عِنْدَ حَمْلِهِ، وَلَا يَطِيبُ لَهُ نَوْمٌ إِلَّا بِقُرْبِهِ مِنْهُ، وَالْقَرَّادُ لَا يَنَامُ إِلَّا بِالْقُرْبِ مِنْ قِرْدِهِ أَوْ مَعَهُ، وَيُطْعِمُهُ مِمَّا يَأْكُلُهُ، وَلَا يَصْبِرُ عَنْهُ سَاعَةً، وَالْكَلَّابُ لَا يَنَامُ حَتَّى يَرَى كَلْبَهُ نَائِمًا بِجَنْبِهِ أَوْ يُطْعِمَهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَالْحَرَّاثُ لَا يَجْلِسُ إِلَّا بِقُرْبِهِ، وَلَا يَهْنَأُ لَهُ عَيْشٌ إِلَّا عِنْدَهُ، وَصَاحِبُ الْحَمَامِ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ إِلَّا عِنْدَ طُيُورِهِ، وَآخَرُ صَاحِبُ سِنَّوْرٍ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ حَتَّى يُطْعِمَهُ مِنْ أَطْيَبِ طَعَامِهِ وَمِثْلُ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ شَرْحُهُ، وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ إِذَا رَأَيْتَهُ وَتَمَثَّلْتَهُ لِأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ، وَنَوْمِهِ وَمِشْيَتِهِ وَجَمِيعِ حَرَكَاتِهِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ تُشَابِهُ حَرَكَتُهُ الْبَهَائِمَ الَّتِي أَلِفَهَا وَأَحَبَّهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ مُطَيَّبًا وَمَحْبُوبًا لَهُ لِأَنَّهُ يُنْقَلُ إِلَى مِثْلِهِ.
يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي الْبَدَوِيُّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَدَقَةَ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَزَّ عِزُّهُ: "تُنْقَلُ هَذِهِ الْحَرَكَاتُ وَهُمْ فِي صُوَرِ الْبَشَرِيَّةِ إِلَى حَرَكَةِ الْمَسُوخِيَّةِ فَيَأْلَفُونَ إِلَى أَعْمَالِهِمْ حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِأُنَاسٍ، وَرُبَّمَا اسْتَوْحَشُوا مِنَ النَّاسِ




