يُحِبُّونَهُ فِي الْبَشَرِيَّةِ، فَهُمْ رَاحِلُونَ إِلَيْهِ فِي الْمَسُوخِيَّةِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُحِبُّ الْبَهَائِمَ وَالطُّيُورَ وَسَائِرَ مَا حَلَّ فِي الْبَشَرِيَّة، وَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ يَأْلَفُ الْبَهِيمَةَ حَتَّى أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَصْبِرَ عَنْهَا سَاعَةً، فَتَكُونُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ لَيَحْمِلُ عَلَى نَفْسِهِ عَظِيمَ التَّعَبِ، وَغَلِيظَ الْمَوَدَّةِ، وَشَدِيدَ الْكَدِّ حَتَّى يَبْلُغَ مَا يُحِبُّهُ فِي الْبَهِيمَةِ حُبًّا جَمًّا لَهَا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِمَا أَلِفَتْهُ نَفْسُهُ، فَإِذَا نُقِلَ إِلَى مِثْلِهَا، لَمْ يَسْتَوْحِشْ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَفْزَعْ، فَكَذَلِكَ وَهُمْ فِي مَسُوخِيَّتِهِمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَمْرَحُونَ لِأَنَّهُمْ قَدْ أَلِفُوهَا فِي حَالِ بَشَرِيَّتِهِمْ رِفْقًا مِنْ مَوْلَاهُمْ وَلُطْفًا بِهِمْ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُفْرِهِمْ وَتَمَرُّدِهِمْ عَلَيْهِ.
وَمَا جَانَسَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي الْبَدَوِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ هَاشِمٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ مِنْهُ السَّلَامُ، عَنِ الْعَالِمِ عَزَّ عِزُّهُ أَنَّهُ قَالَ: "يَا مُفَضَّلُ النَّاسُ هُمُ الَّذِينَ أَنِسُوا بِاللَّهِ".
قَالَ الْمُفَضَّلُ: مَوْلَايَ، أَخْبِرْنِي عَنْ سَبَبِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي مَحَبَّتِهِمْ لِهَؤُلَاءِ الأَجْنَاسِ كَيْفَ يَصِيرُ بِهِمْ؟ (1)قَالَ: "يَا مُفَضَّلُ أَمَا تَرَى الْمُكَارِيَ




