وَقَالَ: فَأَمَّا الطَّبَقُ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ آدَمُ عَزَّ عِزُّهُ، فَإِنَّهُ خُلِقَ مِنَ النُّورِ وَالنَّارِ(1) ثُمَّ خَلَقَ الْمَاءَ فَحَجَبَ بِهِ الرِّيحَ، ثُمَّ خَلَقَ الطِّينَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرَيْنِ فَحَجَبَ بِهِ الْمَاءَ، فَمِنْهُ خُلِقَ آدَمُ، وَبَاطِنُ ذَلِكَ أَنَّ النُّورَ خُلِقَتْ مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ مُصَوَّرِينَ، وَالنَّارَ خُلِقَ مِنْهَا الْجَانُّ مُصَوَّرِينَ، وَالرِّيحَ خُلِقَ مِنْهَا الْجِنُّ مُصَوَّرِينَ، وَالطِّينُ صُورَةُ آدَمَ، فَخَلَقَ آدَمَ مِنَ الطِّينِ وَالنَّارِ، وَالرِّيحِ وَالْمَاءِ وَذَلِكَ مِنْ شَأْنِ الدُّنْيَا، وَخَلَقَ فِيهِ النُّورَ وَالرُّوحَ مِنْ شَأْنِ الآخِرَةِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿طَرَائِقَ قِدَدًا﴾(2)، يَقُولُ: كُلُّ جَوْهَرٍ خُلِقَ مِنْ جَوْهَرِهِ(3).
وَقُدَّ الإِنْسَانُ فَصَارَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ بِالنَّارِ، وَيُبْصِرُ وَيَعْلَمُ بِالنُّورِ، وَيَسْمَعُ وَيَشُمُّ بِالرِّيحِ، وَيَجِدُ لَذَّةَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ بِالْمَاءِ، وَيَتَحَرَّكُ بِالرُّوحِ، فَلَوْلَا النَّارُ الَّتِي فِي مَعِدَتِهِ لَمَا هَضَمَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، وَلَوْلَا الرِّيحُ لَمَا الْتَهَبَتْ نَارُ الْمَعِدَةِ، وَلَمَا خَرَجَ الثُّفْلُ مِنْ بَطْنِهِ، وَلَمَا بَرَدَ الْمَاءُ، وَلَأَحْرَقَتْهُ نَارُ الْمَعِدَةِ وَلَوْلَا النُّورُ لَمَا أَبْصَرَ، وَلَوْلَا الرُّوحُ لَمَا جَاءَ وَلَا ذَهَبَ، فَالطِّينُ صُورَتُهُ وَالْعَظْمُ فِي جَسَدِهِ بِمَنْزِلَةِ الشُّجَيْرَةِ فِي الأَرْضِ، وَالدَّمُ فِي عُرُوقِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ




