مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الْبَدْءُ وَالْإِعَادَةُ - الْحُسَيْنُ بْنُ هَارُونَ الْبَغْدَادِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 23 من 102

وَقَالَ: فَأَمَّا الطَّبَقُ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ آدَمُ عَزَّ عِزُّهُ، فَإِنَّهُ خُلِقَ مِنَ النُّورِ وَالنَّارِ(1) ثُمَّ خَلَقَ الْمَاءَ فَحَجَبَ بِهِ الرِّيحَ، ثُمَّ خَلَقَ الطِّينَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرَيْنِ فَحَجَبَ بِهِ الْمَاءَ، فَمِنْهُ خُلِقَ آدَمُ، وَبَاطِنُ ذَلِكَ أَنَّ النُّورَ خُلِقَتْ مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ مُصَوَّرِينَ، وَالنَّارَ خُلِقَ مِنْهَا الْجَانُّ مُصَوَّرِينَ، وَالرِّيحَ خُلِقَ مِنْهَا الْجِنُّ مُصَوَّرِينَ، وَالطِّينُ صُورَةُ آدَمَ، فَخَلَقَ آدَمَ مِنَ الطِّينِ وَالنَّارِ، وَالرِّيحِ وَالْمَاءِ وَذَلِكَ مِنْ شَأْنِ الدُّنْيَا، وَخَلَقَ فِيهِ النُّورَ وَالرُّوحَ مِنْ شَأْنِ الآخِرَةِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿طَرَائِقَ قِدَدًا﴾(2)، يَقُولُ: كُلُّ جَوْهَرٍ خُلِقَ مِنْ جَوْهَرِهِ(3).

وَقُدَّ الإِنْسَانُ فَصَارَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ بِالنَّارِ، وَيُبْصِرُ وَيَعْلَمُ بِالنُّورِ، وَيَسْمَعُ وَيَشُمُّ بِالرِّيحِ، وَيَجِدُ لَذَّةَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ بِالْمَاءِ، وَيَتَحَرَّكُ بِالرُّوحِ، فَلَوْلَا النَّارُ الَّتِي فِي مَعِدَتِهِ لَمَا هَضَمَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، وَلَوْلَا الرِّيحُ لَمَا الْتَهَبَتْ نَارُ الْمَعِدَةِ، وَلَمَا خَرَجَ الثُّفْلُ مِنْ بَطْنِهِ، وَلَمَا بَرَدَ الْمَاءُ، وَلَأَحْرَقَتْهُ نَارُ الْمَعِدَةِ وَلَوْلَا النُّورُ لَمَا أَبْصَرَ، وَلَوْلَا الرُّوحُ لَمَا جَاءَ وَلَا ذَهَبَ، فَالطِّينُ صُورَتُهُ وَالْعَظْمُ فِي جَسَدِهِ بِمَنْزِلَةِ الشُّجَيْرَةِ فِي الأَرْضِ، وَالدَّمُ فِي عُرُوقِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ

الهوامش

1جَاءَ فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: أَنَّ اللهَ خَلَقَ وَقَدَّ الْقِدَدَ وَصَوَّرَ الصُّوَرَ، وَخَلَقَ النُّورَ، ثُمَّ خَلَقَ النَّارَ فَحَجَبَ النُّورَ بِالنَّارِ، ثُمَّ خَلَقَ الرِّيحَ، وَخَلَقَ الطِّينَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ فَحَجَبَ بِهِ الْمَاءَ، وَاعْلَمْ أَنَّ النُّورَ خُلِقَتْ مِنْهَا الْمَلَائِكَةُ مُصَوَّرِينَ،
2سورة الجن – الاية 11
3جَاءَ فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى زِيَادَةٌ: وَصُوِّرَ فِيكُمْ مِنْ جَوْهَرِكُمْ، فَصَارَتِ الْمَلَائِكَةُ تَرَى جَمِيعَ الْخَلْقِ وَهُمْ لَا يَرَاهُمْ مِنَ الْخَلْقِ أَحَدٌ إِلَّا الْجَانَّ؛ لِأَنَّهُمْ خُلِقُوا مِنْ نَارٍ وَالنَّارُ تُشْبِهُ النُّورَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ﴾، وَلَا يَرَاهُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِلَّا مَنْ كَرُمَ عَلَى اللهِ، وَإِنَّمَا يَرَاهُمُ النَّاسُ فِي جَوْهَرِ النُّورِ الَّذِي فِيهِمْ، فَصَارَ الْإِنْسَانُ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ بِالنَّارِ وَيَنْظُرُ وَيَعْمَلُ بِالنُّورِ،
الصفحة 23 من 102