ثُمَّ كَانَ بَدْءُ هَذَا الْخَلْقِ الْمَمْزُوجِ وَالأَرْوَاحِ الأَرْبَعَةِ: «النُّورُ، النَّارُ، الرِّيحُ الْمَاءُ» وَسُطِحَ(1) مِنْ طِينِهِ آدَمُ، وَخُلِقَ مِنْ شَأْنِ الدُّنْيَا وَشَأْنِ الآخِرَةِ، وَرُكِّبَتِ الأَطْبَاقُ، وَالشَّيْءُ نِصْفُهُ خُلِقَ فَوْقَ، وَخُلِقَ أَسْفَلَ مِنَ الصَّخْرَةِ وَهُمُ الْجِنُّ وَعَلَيْهَا قَرَارُ الأَرَضِينَ، كَأَنَّ الأَرْضَ سُطِّحَتْ عَلَى حُوتٍ، وَصَارَ الْحُوتُ عَلَى الْمَاءِ، وَصَارَ الْمَاءُ عَلَى الصَّخْرَةِ الْبَيْضَاءِ، وَصَارَتِ الصَّخْرَةُ عَلَى الْهَوَاءِ وَمَا بَيْنَ الْهَوَاءِ(2) إِلَى الصَّخْرَةِ الْجِنُّ جَامِدَةٌ هُنَاكَ، مُرَكَّبُ الطَّبَقِ(3) الأَوَّلِ.
خَلَقَ آدَمَ وَأَسْكَنَهُ سَطْحَ الأَرْضِ، وَأَمَرَهُ فِيهَا وَنَهَاهُ عَنْهَا، وَجَعَلَ ثَوَابَهُ فِي الأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي الآخِرَةِ وَالدُّنْيَا، وَمَا عَلَى ظَهْرِهَا الطَّبَقُ، فَمَا أَجْرَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى ذُرِّيَّتِهِ فَمِنْهُ مَأْكَلُهَا وَمَشْرَبُهَا وَالنَّوْمُ وَطَلَبُ الأَزْوَاجِ، ثُمَّ مَا فَتَحَ لَهُمْ فِيهَا مِنْ شَهَوَاتِهَا وَزِينَاتِهَا وَلَهْوِهَا وَلَعِبِهَا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾(4)، وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ: الأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَمَا عَمِلُوا بِهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَرْكُ آفَاتِ زُخْرُفِهَا وَأَزْوَاجِهَا وَأَمْوَالِهَا وَبَاطِلِهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ




