ثُمَّ يَذُوقُ حَرَّ الْحَدِيدِ وَبَرْدَهُ بِالسَّلْخِ وَالتَّفْصِيلِ، وَيُكَرَّرُ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ وَأَدَقُّ عَلَى قَدْرِ ذُنُوبِهِ وَطُغْيَانِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُكَرَّرُ فِي ذَلِكَ وَلَا يَطُولُ تَكْرَارُهُ، ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى الْبَشَرِيَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَطُولُ تَكْرَارُهُ وَتَرْدَادُهُ حَتَّى يَنْتَقِلَ فِي أَنْوَاعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْمَذْبُوحَاتِ، ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى الْبَشَرِيَّةِ فَيُعْرَضُ عَلَيْهِ تَوْحِيدُ بَارِئِهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنْ أَجَابَ وَإِلَّا يُرَدُّ إِلَى مَا نُقِلَ مِنْهُ، رَحْمَةً مِنْ مَوْلَاهُ وَعَدْلًا مِنْهُ.
وَإِنَّمَا يَنْقُلُهُمْ إِلَى الْمَسُوخِيَّاتِ لِتَذِلَّ الأَرْوَاحُ الْمُتَجَبِّرَةُ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ مِمَّا هُوَ أَشَدُّ مِنَ الْمَسُوخِيَّاتِ لَفَعَلَ «وَلَكِنَّهُ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ مِمَّا بِهِمْ مِنْ شَدِيدِ الْعَذَابِ» إِلَّا بَعْدَ طُولِ التَّخْوِيفِ وَالتَّحْذِيرِ وَالتَّرْدَادِ فِي قَوَالِبِ الْبَشَرِيَّةِ، وَيَبْعَثُ إِلَيْهِمْ مَنْ يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ، وَكُلَّمَا تَمَرَّدُوا وَجَحَدُوا يَنْقُلُهُمْ إِلَى مَا نُقِلُوا مِنْهُ، إِلَى أَنْ يَعْلُوَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ فِي كُفْرِهِ وَتَمَرُّدِهِ، فَحِينَئِذٍ يُنْقَلُ فِي أَصْعَبِ الْمَسُوخِيَّاتِ وَيُرَدُّ فِي أَنْوَاعِهَا.
وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يُخْلِيهِ مِنْ إِعَادَتِهِ لِلْبَشَرِيَّةِ وَيُعْرَضُ عَلَيْهِ التَّوْحِيدُ، وَكُلَّمَا اشْتَدَّ تَمَرُّدُهُ، اشْتَدَّ تَعْذِيبُهُ فِيمَا يُنْقَلُ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى جَلَّ وَعَلَا لَا يُعَذِّبُ عَبْدَهُ بِحِقْدٍ مِنْهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَأْسَفُ؛ وَإِنَّمَا يَحْقِدُ وَيَأْسَفُ مَنْ يَخَافُ الْفَوْتَ.




