النَّاسِ نَصْبًا، وَكُنْتُ أُقَاتِلُهُ عَلَى ذَلِكَ، فَأَخْرَجَنِي مِنْ دَارِهِ، وَقَطَعَنِي مِنْ مَالِهِ حَتَّى أَتَانِي الْبَشِيرُ ذَاتَ يَوْمٍ يَقُولُ: إِنَّ أَبَاكَ قَدْ مَاتَ، فَبَادَرْتُ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ أَسْوَدُ مِنَ اللَّيْلِ الدَّامِسِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذَا قَلِيلٌ لَهُ مِنَ الْجَزَاءِ، فَخَشِيتُ مِنَ اللَّهِ، ثُمَّ قُمْتُ فِي جِهَازِهِ إِلَى قَبْرِهِ، وَفَرَغْتُ مِنْ دَفْنِهِ، وَسِرْتُ إِلَى مَنْزِلِي، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَأَنَا مُفْتَكِرٌ فِيهِ، وَمَا صَارَ إِلَيْهِ، وَإِذَا بِهَاتِفٍ يُنَادِي مِنْ وَرَائِي: يَا فُلَانُ إِذَا كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى أَبِيكَ، وَإِلَى مَا صَارَ إِلَيْهِ، فَاخْرُجْ غَدَاةَ غَدٍ، وَاجْلِسْ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ، فَإِنَّ أَبَاكَ يُكَلِّمُكَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: فَطَالَتْ عَلَيَّ لَيْلَتِي إِلَى أَنْ أَصْبَحْتُ، فَصَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ، ثُمَّ غَدَوْتُ إِلَى النَّجَفِ، فَجَلَسْتُ عَلَى طَفِّ الْبَحْرِ مُفَكِّرًا(1) بِذَلِكَ، إِذْ نَظَرْتُ إِلَى صَدَفَةٍ مَكْبُوبَةٍ عَلَى وَجْهِهَا، تَدُبُّ عَلَى الأَرْضِ حَتَّى دَنَتْ مِنِّي، فَوَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيَّ، وَأَنَا مَعَ ذَلِكَ مُفْتَكِرٌ، فَسَمِعْتُ كَلَامًا وَلَمْ أَرَ شَخْصًا، يَقُولُ: يَا فُلَانُ، إِنَّ هَذَا أَبَاكَ بَيْنَ يَدَيْكَ، فَكَلِّمْهُ، فَنَادَيْتُهُ: يَا فُلَانُ، وَلَمْ أَقُلْ لَهُ: يَا أَبِي.
فَقَالَ الْهَاتِفُ: اِعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ الطَّيِّبَ مِنَ الْخَبِيثِ، وَالْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، فَنَادَيْتُهُ فَأَجَابَنِي فِي الثَّانِيَةِ: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، فَمَا تُرِيدُ مِنِّي؟ كَفَاكَ مَا بِي مِنَ الْخِزْيِ، وَمَا حَاجَتُكَ مِنِّي فَهَلْ عِنْدَكَ حِيلَةٌ تُخْرِجُنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ مِنَ




