قَالَ: لَقَدْ خَبِرْتُ أَنَّ هَذَا المَوْضِعَ كَانَ مِنْ حَالِهِ كَذَا وَكَذَا وَكَانَ مِنْ نَعْتِهِ كَذَا وَكَذَا، وَلَيْسَ هُوَ عَلَى مَا وَصَفُوهُ اليَوْمَ، وَرُبَّمَا كَانَ قَفْرًا مُوحِشًا لَا يَأْنَسُ إِلَيْهِ أَحَدٌ، يَمْتَنِعُ مِنْ سُكْنَاهُ مَخَافَةَ الظَّمَأ ثُمَّ يَصِيرُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْدِيَةً وَأَنْهَارًا وَبِحَارًا، حَتَّى لَا يُسْلَكُ فِيهِ إِلَّا بِالمَرَاكِبِ لِعِظَمِهِ، وَهَوْلِ مَائِهِ، فَيَقُولُ القَائِلُ العَارِفُ بِهِ وَهُوَ فِي الحَالِ الأَوَّلِ مِنَ البَرِّ وَالقَفْرِ: عَهْدِي بِهَذَا المَوْضِعِ وَصْفُهُ كَذَا وَكَذَا، وَهُوَ اليَوْمَ عَلَى خِلَافِ مَا قَالُوا وَمَا وَصَفُوا وَهَذَا شَيْءٌ يَتَحَدَّثُ بِهِ العَالَمُ دَائِمًا وَأَبَدًا وَيَتَنَاقَلُونَهُ وَيَعْرِفُونَهُ مِمَّا قَدِ اخْتَبَرُوهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَنَسُوهُ، وَبَقِيَ مِنْهُمُ الإِقْرَارُ بِهِ، لِأَنَّهُمْ دَائِمًا يَتَمَثَّلُونَ بِقَوْلِهِمْ: النَّهْرُ الَّذِي جَرَى فِيهِ المَاءُ لَابُدَّ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِ، فَيَقُولُ القَائِلُ عَقِيبَ هَذَا الكَلَامِ: إِنَّهُ لَا يَعُودُ حَتَّى تَهْلِكَ حِيتَانُهُ، وَجَمِيعُ مَا عَلَيْهِ مِنَ النَّبَاتِ، وَهُمْ صَادِقُونَ فِي ذَلِكَ الكَلَامِ، لَكِنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ حَقِيقَةَ ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَصِيرَ بَرًّا، وَقَوْلُهُمْ أَيْضًا: عُودٌ جَرَى فِيهِ المَاءُ لَابُدَّ أَنْ يَعُودَ فِيهِ وَهُمْ صَادِقُونَ فِي ذَلِكَ وَهَذَا أَكْبَرُ دَلِيلٍ أَنَّهُ إِذَا عَادَ ذَلِكَ المَاءُ إِلَى حَالِهِ، وَجَرَى عَلَى سُنَّتِهِ القَدِيمَةِ نَبَتَ جَمِيعُ مَا كَانَ عَلَى ذَلِكَ النَّهْرِ وَالوَادِي وَالبَحْرِ مِنَ الأَشْجَارِ




