وَلِذَلِكَ دَلِيلٌ آخَرُ أُوَضِّحُهُ لَكَ، أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ مُحْتَفَرُ المَاءِ المَعِينِ عَذْبًا شَرَابُهُ، فَلَا يَزَالُ عَلَى مَمَرِّ الدُّهُورِ وَالأَيَّامِ، حَتَّى يَحُولَ ذَلِكَ العَذْبُ فَيَصِيرُ مَالِحًا يَمْنَعُ شَارِبَهُ الوُرُودَ عَلَيْهِ، وَيَتَجَافَاهُ النَّاسُ، وَيَصِيرُ عَجِيبًا، وَيَكْثُرُ تَعَجُّبُ عَارِفِيهِ مِنْهُ، وَأَنَّهُ كَيْفَ كَانَ عَذْبًا فُرَاتًا، فَصَارَ مِلْحًا أُجَاجًا فَيَصِيرُ مَثَلًا بِتَغَيُّرِهِ عَلَى عَارِفِيهِ فِي الحَالَيْنِ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مَعِينًا جَارِيًا وَبَحْرًا مَعْرُوفًا بِجَرَيَانِ المَاءِ، يَمْتَنِعُ العُبُورُ فِيهِ إِلَّا فِي المَرَاكِبِ لِعِظَمِهِ وَسِعَتِهِ وَبُعْدِ قَعْرِهِ وَكَثْرَةِ أَمْوَاجِهِ، حَتَّى لَا يَقْدِرَ أَحَدٌ عَلَى العُبُورِ فِيهِ إِلَّا عِنْدَ سُكُونِهِ مِنْ هَوْلِهِ فَإِذَا سَكَنَتِ الرِّيحُ عَنْهُ، جَرَتْ فِيهِ المَرَاكِبُ فَيَعْبُرُ السَّالِكُ بِهِ، ثُمَّ يَصِيرُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ آخَرَ وَعَصْرٍ آخَرَ يَبَسًا وَيَزُولُ كُلُّ ذَلِكَ مِنْهُ، حَتَّى يَحُولَ إِلَى غِيَاضٍ، وَآجَامٍ(1) وَآكَامٍ(2) ثُمَّ يَحُولُ إِلَى بَرٍّ، وَقَفْرٍ، وَفَلَوَاتٍ، وَمَغَائِرَ حَتَّى أَنَّهُ لَتَمُرُّ بِهِ المَارَّةُ، فَيَقُولُ قَائِلُهُمْ: إِنَّهُ قَدْ قِيلَ أَنَّ هَذَا المَوْضِعَ كَانَ يُعْهَدُ فِي بَعْضِ الأَزْمِنَةِ بَحْرًا تَجْرِي فِيهِ المَرَاكِبُ وَالسُّفُنُ لِعِظَمِهِ وَسِعَتِهِ، وَكَانَ مِنْ وَصْفِهِ كَذَا وَكَذَا وَالآنَ قَدْ صَارَ إِلَى مَا تَرَوْنَ، وَرُبَّمَا
1الأجمة: الشجر الكثير الملتف.
2الأكمة تل من القف وهو حجر واحد أو من حجارة واحدة، وقيل: هو دون الجبال، وقيل: هو الموضع الذي هو أشد ارتفاعاً مما حوله وهو غليظ لا يبلغ أن يكون حجراً.




