إِرَادَةِ المَوْلَى وَابْتِدَائِهِ الْمُلْكَ
اِعْلَمْ يَا مُفَضَّلُ، إِنَّ لِمَوْلَاكَ إِرَادَةً أَمْضَاهَا فِي خَلْقِهِ، يُظْهِرُهَا حِينًا، وَيُخْفِيهَا حِينًا، فَإِذَا أَظْهَرَهَا، كَانَ جَزَاءً عَمَّا أَخْفَاهَا، وَإِذَا أَخْفَاهَا كَانَ جَزَاءً عَمَّا أَظْهَرَهَا، فَمِنْ ذَلِكَ العَالَمِ النُّورَانِيِّ، إِذَا أَظْهَرَهُمْ مَعَهُ بِظُهُورِهِ فِي البَشَرِيَّةِ، كَانَ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى أَفْعَالٍ سَلَفَتْ فِي النُّورَانِيَّةِ اسْتَوْجَبُوا بِهَا ذَلِكَ الظُّهُورَ، وَكَذَلِكَ إِذَا ظَهَرَ لِلْعَالَمِ المَنْكُوسِ، أَهْلِ الجُحُودِ وَالكُفْرِ، وَأَوْجَدَهُمْ ذَاتَهُ، وَدَلَّهُمْ عَلَى نَفْسِهِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى الإِقْرَارِ بِهِ، وَالتَّسْلِيمِ إِلَى حِجَابِهِ وَبَابِهِ، فَيَكُونُ مِنْهُمْ مِثْلُ مَا كَانَ أَوَّلًا مِنَ الجُحُودِ وَالكُفْرِ بِهِ، وَالاِمْتِنَاعِ عَنْ طَاعَةِ حِجَابِهِ، وَالإِنْكَارِ لِبَابِهِ فَيَنْقُلُهُمْ إِلَى المُسُوخِيَّةِ، حَتَّى يَصِيرَ فِي وَقْتٍ وَزَمَانٍ، مَنْ كَانَ مَحْمُولًا يَصِيرُ حَامِلًا لِمَنْ حَمَلَهُ، وَمَنْ كَانَ مَقْتُولًا يَصِيرُ قَاتِلًا لِمَنْ قَتَلَهُ، وَمَنْ كَانَ مَمْلُوكًا يَصِيرُ مَالِكًا لِمَنْ مَلَكَهُ، وَمَنْ كَانَ مَرْكُوبًا يَصِيرُ رَاكِبًا لِمَنْ رَكِبَهُ، وَيَجْرِي ذَلِكَ فِيهِمْ مِنَ الفِيلِ، وَالأَسَدِ، وَالجَمَلِ، إِلَى الحَيَّةِ وَالعَقْرَبِ، وَالدُّودِ، الَّذِي يَأْكُلُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَيَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا




