بَابُ مَعْرِفَةِ تَفْسِيرِ: السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ
وَقَدْ تَقَدَّمْتُ إِلَيْكَ، أَنِّي أَشْرَحُ وَأُبَيِّنُ لَكَ مَا خَاطَبْتُكَ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾(1) وَذَلِكَ يَا مُفَضَّلُ، أَنَّهُ لَمَّا كَانَ قَدْ بَدَأَ السَّمَاءَ، وَهِيَ البَابُ الْمُقِيمُ، مُكَوِّنُهُ وَهُوَ السَّيِّدُ مُحَمَّدٌ، البَيْتُ القَدِيمُ الَّذِي هُوَ حِجَابُ مَوْلَاكَ، وَاسْمُهُ بَاطِنًا، وَعَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ظَاهِرًا فَلَمَّا كَوَّنَهُ بِذَاتِهِ، كَوَّنَ مِنْ كَوْنِهِ الأَرْضَ، وَهِيَ اليَتِيمُ الأَكْبَرُ، الَّذِي هُوَ المِقْدَادُ كَوَّنَهُ مِنْ جَوْهَرِيَّتِهِ، ثُمَّ كَشَفَ لَهُ عَنْ ذَاتِهِ، فَعَايَنَهُ بِالعَظَمَةِ فَكَبَّرَهُ وَعَظَّمَهُ، وَحَارَ فِي إِدْرَاكِهِ، فَأَوْجَدَ فِي نَفْسِهِ أَنَّ فَوْقَهُ غَايَةً، فَوَقَفَ عِنْدَ ذَلِكَ عَنِ السُّجُودِ، وَارْتَقَبَ مَا وَجَدَهُ وَعَقَلَهُ مِنْ مُرَادِ مَوْلَاهُ فَظَهَرَ الأَزَلُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ، وَأَوْجَدَهُ مَعْنَوِيَّتَهُ، فَسَلَّمَ لَهُ بِالإِخْلاَصِ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ السَّيِّدُ مُحَمَّدٌ بِالبَشَرِيَّةِ التُّرَابِيَّةِ، فَأَوْجَدَهُ أَنَّهُ كَوَّنَ جِسْمَهُ مِنْ ذَلِكَ التُّرَابِ، فَلَمَّا أَظْهَرَهُ بِالبَشَرِيَّةِ، ظَهَرَ لَهُ بِالاِسْتِوَاءِ، وَهُوَ بَشَرِيٌّ، فَقَالَ هُنَالِكَ لِلسَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ، أَيْ: وَهِيَ فِي




