وَاعْلَمْ يَا مُفَضَّلُ، أَنَّ مَوْلَاكَ أَكْمَلَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقًا، وَأَتْقَنَهُ صُنْعًا وَحَكَمَ بِهِ عَدْلًا، وَوَسِعَهُ وَأَحْصَاهُ عِلْمًا وَعَدَدًا، ثُمَّ أَجْرَاهُ فِي خَلْقِهِ بِالسَّوِيَّةِ وَحَكَمَ فِيهِمْ حُكْمًا وَاحِدًا، يَجْرِي فِي العَالَمِ النُّورَانِيِّ وَالعَالَمِ الظُّلْمِيِّ لِتَكُونَ الحُجَّةُ مُؤَكَّدَةً، وَالقُدْرَةُ نَافِذَةً بِإِرَادَتِهِ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا قَدَّمْتُ لَكَ شَرْحَهُ، وَسَأَلْتُكَ كِتْمَانَهُ إِلَّا عَنْ أَهْلِهِ.
الْبَشَرُ الْمَنْسُوبُونَ إِلَى الْمَعْنَى:
وَاعْلَمْ يَا مُفَضَّلُ، أَنَّ البَشَرَ المَنْسُوبِينَ إِلَى هَذَا المَعْنَى، الَّذِينَ تَقَمَّصُوا هَذَا القَمِيصَ، وَرَضُوا بِأَنْ يُقَالَ فِيهِمْ أَنَّهُمْ مِنْ وُلْدِهِ وَيُدْعَوْنَ بِهِ، وَإِذَا نُسِبُوا بِهَذِهِ النِّسْبَةِ، افْتَخَرُوا، وَسَمَوْا بِهَا عَلَى العَالَمِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَوْلَاهُمْ كَانَ قَدْ أَنْحَلَهُمْ ذَلِكَ نِحْلَةً لَمَّا ظَهَرَ فِيهِمْ، وَأَظْهَرَهُمْ مِنْهُ، وَكَانَ ذَلِكَ الفِعْلُ سَابِقًا لَهُمْ لِعَمَلٍ اسْتَوْجَبُوا بِهِ ذَلِكَ، فَأَعْطَاهُمْ هَذِهِ المَنْزِلَةَ الرَّفِيعَةَ العَالِيَةَ فِي العَالَمِ، وَأَحَلَّهُمُ الْمَحَلَّ الجَلِيلَ، إِلَّا عِنْدَ العَارِفِينَ المُوَحِّدِينَ، فَإِنَّهُمْ يَعْرِفُونَ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ عَلَى ضَلاَلَةٍ فِي ادِّعَائِهِمْ بِتِلْكَ النِّسْبَةِ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الأَمْرِ إِذَا رَأَوْهُمْ، لَزِمَهُمْ إِجْلَالُهُمْ




