بَابُ مَعْرِفَةِ الكَوْنِ وَالتَّكْوِينِ وَالتَّجَلِّي
وَاعْلَمْ يَا مُفَضَّلُ، أَنَّ العَالَمَ عِنْدَ الكَوْنِ الكُلِّيِّ قَبْلَ التَّجَلِّي، كَانَ بَدْءُ المُبْدِي لَهُمْ كَمَا أَرَادَ، وَكَانَتْ إِرَادَةُ البَارِي فِيهِمْ إِرَادَةً وَاحِدَةً، لِأَنَّهُ أَبْدَأَهُمْ(1) فِي البَدْءِ الأَوَّلِ النُّورَانِيِّ، حِينَ ظَهَرَ لَهُمْ وَكَلَّمَهُمْ وَأَظْهَرَهُمْ بِنُفُوسِهِمْ، وَظَهَرَ لَهُمْ بِكَوْنِهِمْ، ثُمَّ دَعَاهُمْ عِنْدَ إِيجَادِهِمْ أَنْفُسَهُمْ وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ المُكَوِّنُ لَهُمْ، وَالخَالِقُ لَهُمْ، وَأَنَّهُمْ مِنْ كَوْنِهِ وَإِرَادَتِهِ كَانُوا ثُمَّ ظَهَرَ لَهُمْ ظُهُورَ المُعَايَنَةِ، فَلَمَّا عَايَنُوهُ، وَقَفُوا كُلُّهُمْ عَنِ الإِجَابَةِ وَقْفَةً وَاحِدَةً، فَكَانَ أَوَّلُ خِطَابِهِ مَعَ ظُهُورِهِ لَهُمْ: «أَنَا رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ». أَيْ: أَنَا رَبُّ كَوْنِكُمُ الَّذِي كُوِّنْتُمْ مِنْهُ، وَهِيَ الإِرَادَةُ مِنْهُ لِكَوْنِهِمْ(2) فَكَانَ وُقُوفُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ سُكُوتًا بِغَيْرِ إِضْمَارٍ إِجَابَةً أَوْ إِنْكَارًا، ثُمَّ أَعَادَ القَوْلَ الثَّانِيَ مِنْ خِطَابِهِ لَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ




