فَالْعَالَمُ الْعُلْوِيُّ أَصْفَا مِنَ الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ، وَلَا يُرَوْنَ بَارِيهِمْ إِلَّا بِصُورَتِهِ الْأَنْزِعِيَّةِ الَّتِي ظَهَرَ بِهَا فِي الْقُبَّةِ الْمُحَمْدِيَّةِ فِي الْأَكْوَارِ السَّالِفَةِ وَالدُّهُورِ الْمَاضِيَةِ لِأَنَّهُمْ أَنْوَارٌ فَلَا يَرَوْنَ الْبَارِيَ إِلَّا بِالْأَنْوَارِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْقُبَّةَ الْمُحَمْدِيَّةَ فِيهَا كَشْفٌ، فَالصُّورَةُ رَآهَا الْعَالَمِينَ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ.
فَالْعُلْوِيُّ: رَأَوْهَا نُورًا، وَالسُّفْلِيُّ: رَأَوْهَا بَشَرًا لِأَنَّهَا تَغَيَّرَتِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ عَنْهَا.
وَمِمَّا رَوَاهُ سَيِّدُنَا الْحَصِيبِيُّ شَرَّفَ اللَّهُ مَقَامَهُ فِي رِسَالَتِهِ إِلَى أَنْ وَصَلَ فِي قَوْلِهِ: فَأَوْجَدَنَا أَنَّهُ نُورٌ، وَأَنَّهُ شَيْءٌ، وَأَنَّ لَهُ آلَةَ الْأَجْسَامِ، إِلَّا أَنَّهُ نُورٌ لَا كَالْأَنْوَارِ، وَجِسْمٌ لَا كَالْأَجْسَامِ، وَآلَةٌ لَا كَالْآلَاتِ، إِلَّا أَنَّهَا لَا تَرَى إِلَّا كَالْأَجْسَامِ وَالصُّوَرِ وَالْآلَاتِ، فَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتِ الْوُجُودُ وَلَا صَحَّ الْعِيَانُ.
فَقَوْلُ الْحَصِيبِيِّ شَرَّفَ اللَّهُ مَقَامَهُ مُقْنِعٌ لِمَنْ فَهِمَ بِأَنَّ لَهُ آلَةً لَا كَآلَاتِ الْبَشَرِ إِلَّا إِنَّهُ مَرْئِيٌّ وَمُعَايَنٌ، يُرَاهُ كُلٌّ عَلَى قَدْرِ مَنْزِلَتِهِ مِنَ النُّورِ وَغَيْرِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرَاهُ قَرِيبًا وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَاهُ بَعِيدًا.




