إِلَى مَرْيَمَ مِنْ نَفْخٍ فِيهَا مِنْ رُوحِنَا، أَنَا الَّذِي رَفَعْتُ إِدْرِيسَ مَكَانًا عَلِيًّا، أَنَا الَّذِي طَهُرَت عِيسَى وَرَفَعْتُهُ إِلَي، أَنَا الَّذِي طَلَبَتْنِي الْقُرُونُ بَعْدَ الْقُرُونِ، أَنَا الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَي، لِي مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى، وَكُلُّ ذِي رُوحٍ نَاطِقَةٍ بِأَمْرِي، وَلَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا بِعِلْمِي، وَلَا إِلَهَ غَيْرِي، وَلَا مَعْبُودَ سِوَايَ.
يَا غلبا: كَذَبَ مَنْ شَبَّهَنِي بِشَيْءٍ وَشَبَّهَ الْأَشْيَاءَ بِي، أَوْ زَعَمَ أَنَّ الْأَبْصَارَ تُدْرِكُنِي أَوِ الْأَوْهَامَ تلحظني، أَوِ الْأَشْيَاءَ تَسْبِقُنِي، وَكَيْفَ يُدْرِكُ مَنْ لَا نِهَايَةَ لَهُ، فَلَا يَعْلَمُ لَهُ كَيْفِوفِيَّةً وَلَا كَيْنُونِيَّةً وَلَا كيمية".
فَسُبْحَانَ مَنْ هُوَ هَكَذَا، لَا كَمَا وَصَفَهُ الْمُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ وَالْمُبْطِلُونَ فِي تَوْحِيدِهِ، وَالْمُشَبِّهُونَ بِرُبُوبِيَّتِهِ، وَالْمُشْرِكُونَ بألوهيته.
يَا غلبا: "هَذِهِ صِفَتِي، وَلَقَدْ أَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَا ذِكْرًا".
فَلَمْ يَجِئْ مِنَ الْأَخْبَارِ غَيْرُ هَذَا الْخَبَرِ مِنْ نُطْقِ الْمَعْنَى الْأَحَدِ الْفَرْدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، وَإِشَارَتُهُ إِلَى ذَاتِهِ، لَكَانَ فِيهِ الْكِفَايَةُ وَمُقْنِعٌ لِمَنْ يُرِيدُ اللَّهُ بِهِ سَعَادَتَهُ وَتَوْفِيقَهُ لِإِرَادَتِهِ.




