وَرَأَيْنَا الْإِنْسَانَ يَرَى السَّبُعَ فِي صُورَةِ الْبَهِيمَةِ فَيَحْتَالُ عَلَيْهِ وَيَصِيدُهُ، وَيَعْلَمُ مَا هَيْئَتُهُ وَمَا جِنْسُهُ، وَالسَّبُعُ لَا يَعْلَمُ مَا هُوَ الْإِنْسَانُ، كَذَلِكَ الْعَالِمُ يَرَى الْجَاهِلَ كَأَنَّهُ بَهِيمَةٌ مُهْمَلَةٌ، وَنَفْسُهُ مُتَغَذِّيَةٌ بِحَلَاوَةِ الْعِلْمِ الَّذِي قَدْ مُنِعَهُ ذَلِكَ الْجَاهِلُ، وَيَرَى الْمَأْكُولَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ وَجَمِيعَ مَا هُوَ فِيهِ بِعَيْنِ الْحَقِيقَةِ فَلَا يَحْفِلُ بِهَا، وَذَلِكَ الْجَاهِلُ لَا يَعْلَمُ مَا هُوَ فِيهِ.
وَهَذَا قَوْلٌ وَاضِحٌ يَدُلُّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالْبَهِيمِيَّةِ.
أَلَا تَرَى إِلَى مَا تُضَافُ إِلَيْهِ صُورَةُ الْبَهِيمَةِ مِنَ التَّحَكُّمِ بِهَا وَالْأَكْلِ لَهَا يَتَحَكَّمُ بِهَا هَذَا الْحَيَوَانُ النَّاطِقُ وَيَحْتَالُ عَلَيْهَا: فَمِنْهَا مَا يُدِيرُ الدَّوَالِيبَ وَالرَّحَى وَمِنْهَا مَا يُعَمِّرُ الْأَرْضَ بِالْحَرْثِ، وَمِنْهَا مَا تُحْمَلُ عَلَيْهِ الْأَثْقَالُ، وَمِنْهَا مَا يُرْكَبُ وَمِنْهَا يُخَلَّى لِلنِّتَاجِ بِدُونِ تَعَبٍ.
كُلُّ ذَلِكَ جَزَاءُ مَا اسْتَحَقَّتْهُ، وَيَجْرِي عَلَيْهَا فِي الْبَهِيمِيَّةِ مَا جَرَى عَلَيْهَا فِي الْإِنْسَانِيَّةِ مِنَ التَّعَبِ وَالتَّرَفُّهِ، وَيُقْتَصُّ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ إِلَى يَوْمِ ظُهُورِ الْقَائِمِ فَيَرْتَقِي الْمُؤْمِنُ إِلَى عَالَمِهِ، وَيُكَرُّ الْكَافِرُ فِي الدُّرِّ دَوْرٍ.




