إِنَّ الْأَثْقَالَ الَّتِي تُحْمَلُ عَلَى الْجِمَالِ وَالْبِغَالِ، وَتَقْطَعُ السَّبَاسِبَ وَالْفَلَوَاتِ، أَلَيْسَتْ تُحِسُّ بِأَلَمِ ذَلِكَ؟ وَالْإِبِلُ، وَالْبَقَرُ، وَالْغَنَمُ، وَالْمَعْزُ، الَّذِي يَجْرِي عَلَيْهَا الذَّبْحُ، أَلَيْسَتْ تُحِسُّ أَيْضًا بِأَلَمِ ذَلِكَ ثُمَّ نَرْجِعُ إِلَى قِيَاسِ الْمَعْقُولِ فِي هَذَا وَنَقُولُ: أَيُّهُمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ: أَنْ تَكُونَ فِي هَذَا الْقَمِيصِ النَّاطِقِ، الْحَسَّاسِ، الدَّرَّاكِ، أَوْ أَنْ تَكُونَ سَبُعًا، أَوْ بَهِيمَةً فِي الْفَلَا لَا حِسَّ لَهُ؟
غَيْرَ أَنِّي أَقُولُ لَكَ: إِنَّ الرَّجُلَ الْجَاهِلَ لَا يَشْتَهِي أَنْ يَكُونَ عَالِمًا لِأَنَّهُ قَدْ مُنِعَ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ، فَلَا يُحِسُّ بِحَلَاوَةِ الْعِلْمِ، وَقَدْ مُنِعَ هَذَا الْإِحْسَاسَ بِجَهْلِهِ، وَوَجَدَ لَهُ رَاحَةً فِي تَرْكِ الْعِلْمِ لِأَنَّهُ يُخْلِي فِكْرَهُ مِنَ التَّعَبِ بِهِ، وَالتَّفْكِيرِ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَلْتَذُّ بِالْمَأْكُولَاتِ، وَالْمَشْرُوبَاتِ، وَالْمَنْكُوحَاتِ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا، وَلَا يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا.
فَنَقُولُ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ: أَيُّهُمَا أَفْضَلُ، الْعَالِمُ أَمِ الْجَاهِلُ؟ فَيُقَالُ: الْعَالِمُ.
فَإِذَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْعَالِمُ أَفْضَلَ مِنَ الْجَاهِلِ، وَجَبَ أَنْ تَكُونَ صُورَةُ الْإِنْسَانِ أَفْضَلَ مِنْ صُورَةِ السَّبُعِ، عَلَى أَنَّ السَّبُعَ لَا يَخْتَارُ أَنْ يَكُونَ إِنْسَانًا لِجَهْلِهِ بِالْإِنْسَانِيَّةِ، وَلِذَلِكَ الْجَاهِلُ لَا يَشْتَهِي أَنْ يَكُونَ عَالِمًا لِجَهْلِهِ بِالْعِلْمِ.




