فَإِنْ قُلْتَ: فَلِمَ جَعَلَ فِي الْخَلْقِ اسْتِطَاعَةً لِلشَّرِّ حَتَّى يَعْصُوهُ إِذَا فَعَلُوهُ؟ وَلِمَ أَقْدَرَهُمْ عَلَيْهِ؟ وَلِمَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ طَرِيقًا إِلَى الْخَيْرِ فَقَطْ؟ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ طَرِيقًا إِلَى الْمَعْصِيَةِ فَتَكُونَ سَبَبًا لِهَلَاكِهِمْ وَتَعْذِيبِهِمْ، هَذَا لَعَمْرِي سُؤَالٌ فِيهِ صُعُوبَةٌ، فَتَأَمَّلْ مَعْنَاهُ يَتَّضِحْ لَكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَالْجَوَابُ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الشَّيْءَ وَضِدَّهُ دَلِيلًا عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ يَدُلُّ بِهِ عَلَيْهِ وَلِحَاجَةِ الْمَخْلُوقِينَ إِلَيْهِ فَخَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَالْحَرَكَةَ وَالسُّكُونَ، وَالْفَرَحَ وَالْحُزْنَ كُلُّ ذَلِكَ لِحَاجَةِ الْمَخْلُوقِينَ إِلَيْهِ لِيَدُلَّهُمْ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، فَلَوْ لَمْ يَخْلُقِ اللَّيْلَ مَا عَرَفُوا حِسَابَ السِّنِينَ وَالشُّهُورِ وَكَانَ النَّهَارُ عَلَيْهِمْ سَرْمَدًا، وَلَمْ يَعْرِفُوا لِلسِّنِينَ عَدَدًا، وَلَوْ لَمْ يَخْلُقِ السُّكُونَ مَا عَرَفَتِ الْحَرَكَةَ، لِأَنَّ حَدَّ الْحَرَكَةِ عَدَمُ السُّكُونِ، وَحَدُّ السُّكُونِ عَدَمُ الْحَرَكَةِ، وَكَذَلِكَ الْفَرَحُ وَالْحُزْنُ يَجْرِيَانِ هَذَا الْمَجْرَى، تُخْلَقُ الْأَشْيَاءُ وَيُخْلَقُ أَضْدَادُهَا لِحَاجَةِ الْمَخْلُوقِينَ، وَكَذَلِكَ لَوْلَا الْإِنْكَارُ مَا عُرِفَ الْإِقْرَارُ وَلَوْلَا الْمَعْصِيَةُ مَا عُرِفَتِ الطَّاعَةُ.
وَبِالْجُمْلَةِ أَقُولُ: إِنَّ ذَوِي الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ جَعَلَهُمْ مُسْتَطِيعِينَ وَلَمْ يُجْبِرْهُمْ بِشِيء وَلَمْ يَقْضِ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ.




