وَنَحْنُ نُبَيِّنُ وَجْهَ الْعَدْلِ عَلَى مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ، فَنَقُولُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ: إِنَّ الْأَعْمَى وَالْأَزْمَنُ(1) وَالْمَفْلُوجُ وَصَاحِبُ هَذِهِ الْأَعْرَاضِ كُلِّهَا، إِنَّمَا يَلْحَقُهُ ذَلِكَ مُجَازَاةً لَهُ عَلَى فِعْلٍ سَلَفَ مِنْهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْجِسْمِ.
وَأَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْتَقِلُ مِنْ جِسْمٍ إِلَى جِسْمٍ، وَيَكُونُ قَدْ لَهُ فِي قَمِيصٍ قَبْلَ ذَلِكَ الْقَمِيصِ الَّذِي عَمِيَ مِنْهُ ذَنْبٌ اسْتَحَقَّ بِهِ الْعَمَى فَيَعْمَى أَوْ ذَنْبٌ اسْتَحَقَّ بِهِ الْفَقْرَ فَيَفْتَقِرُ، وَكَذَلِكَ الَّذِينَ أَعْطَاهُمُ الدُّنْيَا قَدْ عَمِلُوا مَا اسْتَحَقُّوا بِهِ الْغِنَى فَاسْتَغْنَوْا عَلَى قَدْرِ فِعْلِهِمْ، سَوَاءٌ خَيْرًا بِخَيْرٍ وَشَرًّا بِشَرٍّ.
وَسَنَدُلُّ عَلَى هَذَا فِي بَابِ التَّنَاسُخِ وَنُقِيمُ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ وَعَقْلِيَّةٍ فِي بَابٍ عَقِيبِ هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُلُوكِ الْمُتَجَبِّرِينَ الْمُتَكَبِّرِينَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْأَنْفُسَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَيَأْخُذُونَ الْأَمْوَالَ غَصْبًا، إِنَّمَا أَعْطَاهُمُ الْبَارِي ذَلِكَ عَدْلًا بِمَا قَدْ سَلَفَ مِنْهُمْ مِنَ الْفِعْلِ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ هَذَا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ، ثُمَّ يُحَاسِبَهُمْ عَلَى مَا اقْتَرَفُوا مِنَ الْآثَامِ فَيُجَازِيهِمْ عَلَيْهِ فَإِنْ قُلْتَ: يَجِبُ عَلَى جِهَةِ الْعَدْلِ أَنْ يُشْبِهَ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ فِي ذَلِكَ الْجِسْمِ، وَيُعَاقِبَهُ فِي ذَلِكَ الْقَمِيصِ الَّذِي عَمِلَ فِيهِ الشَّرَّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَاقِبَهُ فِي جِسْمٍ لَمْ يَقْتَرِفْ فِيهِ الذَّنْبَ؟!




