فَإِنْ قُلْتَ: رَأَى الْبَارِي فِي عَمَاهُ خَيْرًا لَهُ فَأَعْمَاهُ، كَمَا إِذَا رَأَى الطَّبِيبُ عُضْوًا يُفْسِدُ الْبَدَنَ قَطَعَهُ، وَكَمَا أَنَّ الطَّبِيبَ يَمْنَعُ الطِّفْلَ عَنِ الْفَالُوذَجِ وَيُطْعِمُهُ الْإِهْلِيلَجَ لِمَا يَرَى لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَنْفَعَةِ فَهَذَا نَفْسُ الْمُغَالَطَةِ وَالْبُهْتِ، لِأَنَّ الطَّبِيبَ يَقْطَعُ ذَلِكَ الْعُضْوَ خَشْيَةَ أَنْ يُفْسِدَ الْجِسْمَ كُلَّهُ لِأَنَّهُ عُضْوٌ فَاسِدٌ، وَيُطْعِمُهُ الْإِهْلِيلَجَ عِنْدَ الْعَرَضِ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا شَيْءٌ مِنَ الْفَسَادِ وَلَا مِنَ الْأَعْرَاضِ الَّتِي الْعَمَى يَنْفَعُهَا وَيُوقِعُهَا، وَأَيَّةُ مُنْصِفَةٍ فِي الْفَقِيرِ وَهُوَ يُولَدُ وَيَنْشَأُ وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يُشْبِعَ الْخُبْزَ وَآخَرُ مِثْلُهُ لَهُ عَبِيدٌ وَرِزْقٌ كَثِيرٌ؟ فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا خَلَقَهُ صَحِيحَ الْعَيْنَيْنِ ارْتَكَبَ الْمَحَارِمَ. وَإِذَا خَلَقَهُ صَحِيحَ الرِّجْلَيْنِ يَسْعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا.
فَهَذَا قَوْلٌ يُفَسَّرُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ الْبَارِيَ لَا يُطَالِبُ الْعِبَادَ بِعِلْمِهِ فِيهِمْ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَعدَلِ مِنْ ذَلِكَ، وَالثَّانِي: أَنَّنَا قَدْ نَرَى مَنْ هُوَ صَحِيحُ الْعَيْنَيْنِ يَرْتَكِبُ الْمَحَارِمَ، وَصَحِيحُ الرِّجْلَيْنِ يَسْعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، وَكَثِيرُ الْمَالِ يَحْتَقِبُ الْأَوْزَارَ وَيَسْعَى عَلَى الْأَنْفُسِ فَيَتَسَلَّطُ عَلَيْهَا بِمَالِهِ.
فَلِمَ مُنِعَ مِنْ هَذَا الْبَصَرِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ، لِعِلْمِهِ بِهِ أَنَّهُ سَيَفْعَلُ مِثْلَ هَذَا السَّالِمِ الْمُعَافَى مِنَ الْعَاهَاتِ كُلِّهَا، وَلِمَ أُعْطِيَ هَذَا وَسُلِبَ ذَاكَ الْآلَةَ الَّتِي يَقْدِرُ بِهَا عَلَى الْمَعَاصِي الْمُرْتَكِبِ لَهَا؟ فَهَذَا قَوْلٌ يُبَيِّنُ فَسَادَ مَا ذَهَبْتُمْ إِلَيْهِ.




