فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ قَرَّرْتَ أَنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَكَيْفَ لَمْ يُقْدِرِ الْخَلْقَ كَافَّةً عَلَى الْمَعْرِفَةِ بِهِ وَيَمْنَعَهُمْ مِنَ الْإِنْكَارِ؟
وَالْجَوَابُ: قَدْ بَيَّنْتُ لَكَ أَنَّهُ لَمَّا خَلَقَ الْخَلْقَ جَعَلَ فِيهِمُ اسْتِطَاعَةً وَاحِدَةً مُتَسَاوِيَةً، وَأَقْدَرَهُمْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِطَاعَةٍ وَلَا مَعْصِيَةٍ، بَلْ جَعَلَ الِاسْتِطَاعَةَ فِيهِمْ وَاحِدَةً، ثُمَّ احْتَجَبَ بِخَلْقِهِ، وَنَطَقَ مِنْ ذَلِكَ الْحِجَابِ، وَأَظْهَرَ مِنْهُ الْقُدْرَةَ لِتَكُونَ دَلِيلًا عَلَى قِدَمِهِ، فَأَقَرَّ مَنْ أَقَرَّ وَأَنْكَرَ مَنْ أَنْكَرَ، وَلَوْ أَجْبَرَهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ لَخَرَجَ بِذَلِكَ عَنْ حَدِّ الْعَدْلِ.
فَإِنْ قُلْتَ: أَلَيْسَ قَدْ عَلِمَ مِنَ الطَّائِعِ أَنَّهُ سَيُطِيعُ، وَمِنَ الْعَاصِي أَنَّهُ سَيَعْصِي؟
فَالْجَوَابُ: إِنَّنَا نَقُولُ قَدْ عَلِمَ، وَلَكِنْ لَيْسَ عِلْمُهُ فِيهِمْ قَضَاءً عَلَيْهِمْ بِطَاعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ، بَلْ جَعَلَ لَهُمُ الْقُدْرَةَ وَالِاسْتِطَاعَةَ عَلَى الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْجَبْرُ وَالْإِكْرَاهُ.
فَإِنْ قُلْتَ: نَحْنُ نَرَى الْخَلْقَ مُتَبَايِنِينَ فِي الِاسْتِطَاعَةِ بِالْعِلْمِ، وَالرِّزْقِ، وَالْأَجَلِ وَالْخَلْقِ، وَلَسْنَا نَرَاهُمْ فِي تَعْدِيلٍ وَاحِدٍ وَنِظَامٍ وَاحِدٍ؟




