أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنِّي لَمَّا رَأَيْتُ عُلَمَاءَ أَصْحَابِنَا قَدْ سَطَرُوا فِي مُصَنَّفَاتِهِمُ الْأَخْبَارَ، وَاقْتَفَوْا مَا وَرَدَ مِنَ الْحَدِيثِ وَالْآثَارِ، وَذَكَرُوا الِاسْمَ وَالْمُسَمَّى وَالْحِجَابَ وَالْمَعْنَى، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ اتَّبَعَ هَوَاهُ، وَأَوَّلَ الْخَبَرَ عَلَى مَا يُوَافِقُ غَرَضَهُ وَيُحِيلُهُ عَنْ مَعْنَاهُ، وَأَهْمَلُوا الْبَحْثَ وَالنَّظَرَ وَالدَّلَالَةَ عَلَى الْخَبَرِ، وَتَرَكُوا الِاحْتِجَاجَ عَلَى الْمُخَالِفِينَ، وَارْتَكَبُوا التَّنْكِيتَ ﴿التَّنْكِيثَ﴾ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالطَّعْنِ، وَجَاهَرَ عُلَمَاؤُهُمْ بِاللَّعْنِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُهُمْ حُجَّةً عَقْلِيَّةً أَوْ لَفْظَةً فَلْسَفِيَّةً نَسَبُوهُ إِلَى الْإِلْحَادِ وَاعْتَقَدُوا بِهِ شَرَّ الِاعْتِقَادِ، لِأَنَّ أَفْهَامَهُمْ مُقْتَصِرَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ الْقَوَانِينِ الثَّلَاثَةِ مِنْ غَيْرِ اعْتِرَافٍ بِالْعِلْمِ، فَهُمْ يُورِدُونَ الْأَخْبَارَ عَنِ الصَّادِقِينَ عَزَّ عِّزَهُمُ وَلَا يَعْلَمُونَ مَعْنَى مَا قَالُوا وَمَا أَرَادُوا بِهَا، لِأَنَّ الْمَقَامَاتِ حَمَّلَتْ كُلًّا بِحَسَبِ احْتِمَالِهِ، وَكُلُّ كَلَامِهِمْ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ.




