فَإِنْ قُلْتَ: إِنَّ مُوسَى لَمْ يَدْعُ إِلَى نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا دَعَا النَّاسَ وَدَلَّهُمْ عَلَى غَيْرِهِ.
فَالْجَوَابُ: أَنْ نَقُولَ إِنَّهُ إِنَّمَا دَلَّ عَلَى الَّذِي يَظْهَرُ بِهِ فِي وَقْتِ إِظْهَارِ الْمُعْجِزِ الَّذِي يَعْجِزُ الْخَلْقُ عَنْهُ، وَإِذَا ظَهَرَتِ الْقُدْرَةُ بَطَلَتِ الصُّورَةُ الْبَشَرِيَّةُ.
وَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْعَجْزُ، وَالِاضْطِهَادُ، وَالْمَوْتُ، وَمَا يُشَاكِلُ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا هُوَ وَاقِعٌ عَلَى الْحِجَابِ الْبَشَرِيِّ اللَّحْمِيِّ الدَّمَوِيِّ الَّذِي نَطَقَ مِنْهُ الْقَدِيمُ لِيَفْهَمُوا عَنْهُ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ.
وَالنَّصَارَى وَالْمُسْلِمُونَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عِيسَى أَحْيَا الْمَوْتَى، وَأَبْرَأَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَخَلَقَ مِنَ الطِّينِ طَيْرًا وَكَلَّمَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى هَذَا أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ.
وَقَدْ أَجْمَعَتِ النَّصَارَى أَنَّ شَمْعُونَ أَحْيَا الْمَيْتَ، وَفَعَلَ مِثْلَ هَذِهِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً فَهَلْ فِي اسْتِطَاعَةِ بَشَرٍ أَنْ يُحْيِي بَشَرًا مِثْلَهُ؟ وَأَنَّ عِيسَى عِنْدَمَا أَبْرَأَ الْأَبْرَصَ الَّذِي كَانَ عَلَى بَابِ كَنِيسَةِ الْيَهُودِ.




