مِنْهَا مُشَاهَدٌ، وَمِنْهَا غَائِبٌ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: فِي الدُّنْيَا بَلَدٌ يُقَالُ لَهُ جَابِرَصَا وَقَدْ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُودِهِ وَإِنْ لَمْ نُشَاهِدْهُ بِالْعِيَانِ، وَإِنَّمَا صَحَّ عِنْدَنَا الْخَبَرُ.
وَمَنْ دَفَعَ ذَلِكَ، فَهُوَ كَمَنْ دَفَعَ أَنَّ الثَّلْجَ أَبْيَضُ وَالدَّمَ أَحْمَرُ وَقَدْ أَجْمَعَتْ ثَلَاثُ أُمَمٍ أَنَّ مُوسَى مَشَى عَلَى الْبَحْرِ، وَكَلَّمَهُ اللَّهُ، وَظَلَّلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ الْغَمَامَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى.
وَطَوَائِفُ تَقُولُ وَهُمُ الْيَهُودُ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقًا فَخَاطَبَهُ مِنْهُ وَهَذَا صَحِيحٌ عَلَى خِلَافِ مَا يَظُنُّونَ، وَفِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوبٌ: [وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى بِالْيَاءِ] وَتَفْسِيرُهُ مِنْ فَمٍ إِلَى فَمٍ، وَإِنَّ يُوشَعَ رَدَّ الشَّمْسَ، وَلَيْسَ بِاسْتِطَاعَةِ الْبَشَرِ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ.
فَعَلِمْنَا أَنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ عَلَى غَيْرِ مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ تَرْكِيبِ الْبَشَرِيَّةِ، وَأَنَّ الْقَدِيمَ يَظْهَرُ بِهَا لِيُثْبِتَ وُجُودَهُ، وَيَصِحَّ ظُهُورُهُ، وَأَنَّ حَقِيقَتَهَا غَيْرُ مُدْرَكَةٍ، وَلَا مَحْسُوسَةٍ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ أَظْهَرَ قُدْرَةً فَلَيْسَتْ لَهُ صُورَةٌ تَدْخُلُ تَحْتَ التَّحْدِيدِ، بَلْ يَظْهَرُ بِهَا إِيجَادًا وَإِثْبَاتًا، وَعِيَانًا وَيَقِينًا، لَا كُلًّا وَلَا جَمْعًا، وَلَا إِحَاطَةً وَلَا حَصْرًا.




