نَقُولُ: إِنَّ الْقَدِيمَ مَا زَالَ عَنْ مَاهِيَّةِ الْكَمَالِ فِي ظُهُورِهِ لِلْبَشَرِ كَالْبَشَرِ، بَلْ أَظْهَرَ صُورَةً بِهَا عَلَامَةٌ لِلْوُجُودِ وَنَفْيًا لِلْعَدَمِ.
وَدَلِيلُ ذَلِكَ مَا أَظْهَرَهُ مِنَ الْقُدْرَةِ الَّتِي خَرَقَتِ الْعَادَةَ، فَلَيْسَ فِي اسْتِطَاعَةِ الْخَلْقِ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهَا، وَمِنْ تِلْكَ الصُّورَةِ أَظْهَرَ قُدْرَةً عَجَزَ الْمَخْلُوقُونَ عَنْهَا، فَتِلْكَ الْقُدْرَةُ دَلِيلَةٌ عَلَى أَنَّ مِنْ تِلْكَ الْقُدْرَةِ قُدْرَتَهُ، لَيْسَتْ تِلْكَ الصُّورَةُ صُورَتَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، بَلْ هِيَ ظَاهِرَةٌ فِي أَعْيُنِ الْبَشَرِ كَالْبَشَرِ بِصُورَةِ الْإِنْسَانِ الْعَاجِزِ، فَعَلِمْنَا أَنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ عَلَى غَيْرِ مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ تَرْكِيبِ الْبَشَرِيَّةِ، وَأَنَّ الْقَدِيمَ ظَهَرَ بِهَا لِيُثْبِتَ وُجُودَهُ، وَيَصِحَّ لِلْبَشَرِ ظُهُورُهُ، وَأَنَّ حَقِيقَتَهَا غَيْرُ مَحْسُوسَةٍ وَلَا مُدْرَكَةٍ.
وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ ظَهَرَتْ مِنْهُ قُدْرَةٌ فَلَيْسَتْ لَهُ صُورَةٌ تَدْخُلُ تَحْتَ التَّحْدِيدِ، بَلْ أَظْهَرَهَا إِثْبَاتًا وَإِيجَادًا، وَحَقًّا وَيَقِينًا، وَعِيَانًا وَبَيَانًا، لَا كُلًّا وَلَا جَمْعًا، وَلَا إِحَاطَةً وَلَا حَصْرًا.
فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ لَمْ يُكَلِّمِ الْخَلْقَ بِالرُّبُوبِيَّةِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا هَيْئَةٌ وَلَا صُورَةٌ؟ نَقُولُ: إِنَّنَا نَرَى صُوَرًا كَثِيرَةً لَا بَعْضَهَا عَنْ بَعْضٍ، وَهِيَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا كَانَ الْجِنْسُ لَا يَفْهَمُ عَنْ جِنْسِهِ، فَكَيْفَ نَفْهَمُ عَنِ الْبَارِي أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ.




