"الْبَابُ الثَّالِثُ" "فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الظُّهُورِ لِلْبَشَرِ كَالْبَشَرِ"
فَإِنْ قُلْتَ: مَا الْبَارِي، جِسْمٌ، عَرَضٌ، أَمْ جَوْهَرٌ، أَمْ جِنْسٌ؟
الْجَوَابُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّمَا تُحَدُّ وَتُوصَفُ وَتُكَيَّفُ الْمُحْدَثَاتُ لِأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ مُحْدَثَةُ الْكَيَانِ، وَالْجَوْهَرِ، وَالْجِنْسِ.
وَأَمَّا الْبَارِي فَغَيْرُ مَوْصُوفٍ، وَلَا مَحْدُودٍ، لِأَنَّهُ قَدِيمٌ.
وَهُوَ لَيْسَ بِجَوْهَرٍ، وَلَا عَرَضٍ، وَلَا جِسْمٍ، وَلَا جِنْسٍ، بَلْ هُوَ مَوْجُودٌ بِدَلَالَةِ ظُهُورِهِ لِلْجِنْسِ كَالْجِنْسِ مِنْ غَيْرِ إِحَاطَةٍ وَلَا إِدْرَاكٍ، بَلْ ظَهَرَ لِلْخَلْقِ كَالْخَلْقِ لِيَفْهَمُوا عَنْهُ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، وَيُثْبِتُوا وُجُودَهُ، لِأَنَّ مَنْ كَانَ مَجْهُولًا يُوشِكُ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْئًا.
فَإِنْ قُلْتَ: كُلُّ مَوْجُودٍ يَحْصُرُهُ الْعَيَانُ، وَيُحِيطُ بِهِ الْهَوَاءُ، وَيَسْتَقِرُّ فِي مَكَانٍ وَيَنْطِقُ فِي زَمَانٍ، وَتَدْخُلُ عَلَيْهِ الْأَعْرَاضُ، وَتَحُدُّهُ الْجِهَاتُ السِّتُّ وَهِيَ: [فَوْقُ، تَحْتُ شِمَالٌ، يَمِينٌ، قُدَّامٌ، وَوَرَاءُ] وَهَذِهِ صِفَاتُ الْمُحْدَثِ، وَالْمُحْدَثُ لَا يُدْرِكُ الْقَدِيمَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي اسْتِطَاعَتِهِ أَنْ يُدْرِكَ إِلَّا مِثْلَهُ.




