ثُمَّ نَرْجِعُ الْحَدِيثَ إِلَى الْكَلَامِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ أَنَّ لِلصَّانِعِ صَانِعًا، وَقَدْ سَلْسَلْتُ لَكَ الْمُرَكَّبَ مِنْ مُرَكَّبٍ إِلَى أَنْ انْتَهَى الْقَوْلُ إِلَى الطَّبِيعَةِ، وَقَرَّرْتُ أَنَّ لِلطَّبِيعَةِ مُحْدِثًا هُوَ قَدِيمٌ لِكُلِّ قَدِيمٍ.
وَقَدِ اسْتَدْلَلْنَا عَلَيْهِ بِأَفْعَالِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ نُلَامِسَهُ بِحَاسَّةٍ وَلَوْ أَطْلَقْنَا الْقَوْلَ أَنَّ لِلصَّانِعِ صَانِعًا، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ الصَّانِعِ صَانِعٌ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ وَفَاسِدٌ.
وَنَحْنُ نُفَسِّرُ قَوْلَنَا وَنَجْعَلُ لَهُ مَثَلًا فَنَقُولُ: إِنَّ الْإِنْسَانَ يَظْهَرُ مِنَ الْإِنْسَانِ بِإِرَادَةٍ وَاسْتِطَاعَةٍ.
وَالِاسْتِطَاعَةُ مَادَّتُهَا مِنَ الْأَغْذِيَةِ، وَالْأَغْذِيَةُ وُجُودُهَا مِنَ الطَّبِيعَةِ فَقَدْ جَعَلْتُ الطَّبِيعَةَ بِهَذَا الْقَوْلِ أَصْلَ الْمُرَكَّبَاتِ، وَدَلَّلْنَا فِي مَا تَقَدَّمَ أَنَّ لَهَا مُحْدِثًا يُسْتَدَلُّ بِأَفْعَالِهِ عَلَيْهِ، وَلَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَفْعَالِهِ.
وَنَقُولُ: إِنَّ الطَّبِيعَةَ مِنْ فِعْلِ الْبَارِئِ بِلَا كَيْفِيَّةٍ وَلَا كَمِّيَّةٍ وَلَا عُنْصُرِيَّةٍ وَلَا جَوْهَرِيَّةٍ، اسْتَدْلَلْنَا بِهَا عَلَيْهِ.




