فَإِنْ قُلْتَ بِعِلْمٍ مِنْهَا أَلْزَمْنَاكَ إِقَامَةَ الدَّلِيلِ وَلَمْ تُطِقْ ذَلِكَ(1) لِأَنَّنَا كُلَّ عُنْصُرٍ مِنْ هَذِهِ الطَّبِيعَةِ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا وَلَا يُحِسُّ بِشَيْءٍ.
وَإِنْ قُلْتَ: "إِنَّهَا تَفْعَلُ ذَلِكَ بِجَهْلٍ مِنْهَا لَا بِعِلْمٍ" فَلَا يَكُونُ الِاتِّفَاقُ مِنْ مُوَفِّقٍ عَالِمٍ بِمَا يُوَفِّقُ، فَإِذَا أَقْرَرْتَ بِالْمُوَفِّقِ بَيْنَ هَذِهِ الْعَنَاصِرِ الْأَرْبَعَةِ، فَقَدْ لَزِمَكَ إِثْبَاتُ الصَّانِعِ الَّذِي وَفَّقَ بَيْنَهَا، فَتَصِيرُ [مُحْدَثَةٌ] الْمُرَكَّبَاتُ قَدِيمَةً لَهَا، مُحْدَثَةً عِنْدَ الْمُوَفِّقِ وَهَذَا مِمَّا لَا يُدْفَعُ.
فَإِنْ عَارَضْتَ قَوْلَنَا: "لَا بُدَّ لِكُلِّ صَنْعَةٍ [مَصْنُوعٍ] مِنْ صَانِعٍ، وَدَلَالَتُنَا أَنَّنَا مَا وَجَدْنَا بِنَاءً إِلَّا وَلَهُ بَانٍ، وَلَا كِتَابَةً إِلَّا وَلَهَا كَاتِبٌ" وَقُلْتَ: يَجِبُ بِحَسَبِ هَذَا التَّسَلْسُلِ أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ الصَّانِعِ صَانِعٌ وَلِهَذَا الصَّانِعِ صَانِعٌ ...وَإِلَخْ.
الْجَوَابُ: إِنَّ جَمِيعَ مَا تَحْتَ فَلَكِ الْقَمَرِ مَصْنُوعٌ وَمُرَكَّبٌ، لِأَنَّهَا أَجْسَامٌ تَظْهَرُ بِإِرَادَةِ الِاسْتِطَاعَةِ.
وَالِاسْتِطَاعَةُ مَادَّتُهَا مِنَ الْأَغْذِيَةِ وَالْأَغْذِيَةُ وُجُودُهَا مِنَ الطَّبِيعَةِ، فَجَمِيعُ الْمُرَكَّبَاتِ شَيْءٌ مِنْ شَيْءٍ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الطَّبِيعَةِ فَيَنْتَهِي الْقَوْلُ أَنَّ الطَّبِيعَةَ مُحْدِثَةٌ لِهَذِهِ الْمُرَكَّبَاتِ وَقَدِيمُهَا، وَنِهَايَةٌ لَهَا، وَأَنَّهَا مُحْدَثَةٌ عِنْدَ الْمُوَفِّقِ لَهَا، وَهُوَ نِهَايَةُ الطَّبِيعَةِ.




