فَاكْتَفَى بِالتَّنْبِيهِ إِلَى وَجْهٍ مِنْ مَعَانِي الإِدْرَاكِ، وَأَنَّ هُنَاكَ مَعْنًى آخَرَ غَيْرَ الَّذِي يَفْهَمُونَ، وَأَنَّ ثَمَّةَ كَيْفِيَّتَيْنِ لِلإِدْرَاكِ: إدراك المُكَوِّنُ، وإدراك المُكَوَّنِ، وَأَنَّ الإِدْرَاكَ المُكَوَّنَ لَا يَنْفِي العِيَانَ، بَلْ عِنْدَ الإِحَاطَةِ فَحَسْبُ، فَخَرَّ بِنْيَانُهُمْ مِنَ السَّقْفِ وَتَهَاوَتْ بِسِحْرِ سَاحِرٍ كُلُّ المُعَوَّقَاتِ الذِّهْنِيَّةِ وَالتَّقَالِيدِ الَّتِي تَمْنَعُ العِيَانَ، وَبَعْدَهَا تَسْتَقِرُّ مُطْمَئِنَّةً فِي حِمَى أَصْلِ أُصُولِ مَذْهَبِهِ مَعْرِفَةُ الوُجُودِ العَيْنِيِّ، وَيَسْتَمْتِعُ العَقْلُ وَالرُّوحُ بِقَبُولِ كُلِّ الحَقَائِقِ الَّتِي يَشِيدُهَا عَلَى هَذَا الأَصْلِ.
أَعُودُ فَأَقُولُ: بِأَنَّ هَذَا الْحَدْسَ الَّذِي نَوَّهْنَا عَنْهُ وَالَّذِي كَانَ السَّبَبَ الْآخَرَ لِطَلَبِ تَأْلِيفِ هَذِهِ الْمَجْمُوعَةِ: قَدْ أَوْحَى لَنَا بِأَنَّ عَلَيْنَا بَعْدَ إِنجَازِهَا أَنْ نَعْمِدَ إِلَى النُّصُوصِ، فَنَسْتَخْرِجَ مِنْهَا الْفِكْرَةَ الَّتِي تَحْوِيهَا، وَالْمَوْضُوعَ الَّذِي تُعْنَى بِهِ، ثُمَّ إِلَى الْإِعْتِرَاضَاتِ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْهَا، فَتَنْكَشِفَ عَنِ الْبُنْيَةِ الذِّهْنِيَّةِ مِنْ شُكُوكٍ وَأَعْقَبَتْ مِنْ نُكُوثٍ وَمَا تَقَلِقَلتْ فَتَنَكَّبَتْ عَنِ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ، سَبَبُهَا مِنْ انْطِلَاقَاتٍ خَاطِئَةٍ أَوْ نَاقِصَةٍ وَلَّدَتْ تَصَوُّرًا قَاصِرًا عَنْ تَبْيِينِ الْحَقِيقَةِ، فَكَانَ الْإِعْتِرَاضُ وَالْإِعْتِرَاضُ.
وَإِنَّ كُلَّ هَذِهِ الْإِعْتِرَاضَاتِ تَصْدُرُ عَنْ تَصَوُّرَاتٍ فِكْرِيَّةٍ فَلْسَفِيَّةٍ تَسْتَمِدُّ جُذُورَهَا مِنْ فَهْمٍ سَطْحِيٍّ لِهَذَا الْوُجُودِ وَمَعْنَاهُ وَمِنْ تَعَامٍ عَنْ أَيَّةِ نَظْرَةٍ نَحْوَ الْأَعْمَاقِ.




