وَيَقُولُ: فَلَمَّا كَانَ هَذَا النُّورُ الشَّعْشَعَانِيُّ الْفَائِضُ مِنْ يَنَابِيعِ الْأَنْوَارِ وَمُبْدِعِ الْجَوَاهِرِ وَوَاهِبِ الصُّوَرِ قَائِمًا: جُعِلَ النُّورُ ضِيَاءً وَالضِّيَاءُ ظَلًّا، أَقَامَ فِيهِ صُورَةَ الْوُجُودِ، وَجَعَلَ الْوُجُودَ قَائِمًا بِالنُّورِ.
وَيَقُولُ: فَالْغَيْبُ هُوَ صُورَةُ الْوُجُودِ الْمُجَرَّدِ عَنِ الْمَوَادِّ وَالصُّوَرِ.
وَيَقُولُ: أَمَّا الْأَنْوَارُ الْمُدْرَكَةُ بِالْحَوَاسِّ فَهِيَ مِثْلُ وَصُورَةٌ لِصُورَةِ الْوُجُودِ الْمَعْقُولَةِ الْمُقَوِّمَةِ لِحَقِيقَةِ وُجُودِ الْوُجُودِ، الْمُجَرَّدَةِ بِغَايَةِ التَّجْرِيدِ.
فَكَأَنَّ الْقَائِلَ إِذَا قَالَ الصُّورَةُ الْمَرْئِيَّةُ هِيَ الْغَايَةُ الْكُلِّيَّةُ: يَكُونُ قَدْ نَظَرَ إِلَى كُلِّيَّةِ الْوُجُودِ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى ظَاهِرِهِ وَأَمْسَكَ عَنْ بَاطِنِهِ، فَظَاهِرُ الْوُجُودِ هُوَ الصُّورَةُ الْمَرْئِيَّةُ، لَكِنْ بَاطِنُ الْوُجُودِ حَقِيقَةُ الصُّورِ، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى الْبَاطِنِ الْمُجَرَّدِ الْمَعْقُولِ مِنَ النَّفْسِ، فَجَعَلَ الصُّورَةَ الْمَرْئِيَّةَ بِالْعَقْلِ وَالنَّفْسِ لَا بِالْحِسِّ وَالْآلَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، لِأَنَّ الصُّورَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا لِذَاتٍ وَحَقِيقَةٍ يُقْصَدُ إِلَيْهَا بِالْإِشَارَةِ.
وَيَقُولُ: وَكَأَنَّكَ إِنْ قُلْتَ الصُّورَةُ الْمَرْئِيَّةُ: أَوْقَعْتَ اللَّفْظَ عَلَى مَوَاقِعَ تَحْتَ الْحِسِّ، إِذَا جَرَّدْتَ الْمُدْرَكَ بِحِسِّكَ، وَتَعَقَّلْتَهُ مُجَرَّدًا مِثْلَمَا أَدْرَكْتَ الْمُجَرَّدَ عِنْدَ رُجُوعِكَ إِلَى ذَاتِكَ الْعَقْلِيَّةِ، فَقُلْتَ عِنْدَ تَجْرِيدِكَ الصُّورَةَ: هِيَ الْغَايَةُ الْكُلِّيَّةُ.




