وَيَقُولُ: فَلَمَّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْبَارِيَ لَا يَظْهَرُ إِلَّا بِذَاتِهِ: عَلِمْنَا أَنَّ الصُّورَةَ الْمَرْئِيَّةَ النُّورَانِيَّةَ الَّتِي دَعَاهُمْ بِهَا وَهُمْ أَنْوَارًا هِيَ الصُّورَةُ الْبَشَرِيَّةُ، وَلَوْ كَانَتِ الصُّورَةُ الْبَشَرِيَّةُ غَيْرَ الصُّورَةِ النُّورَانِيَّةِ الْأُولَى لَسَقَطَ عَنْ مُنْكِرِهَا الْعَذَابُ، وَكَانَ فِي إِنْكَارِهَا جَزِيلُ الثَّوَابِ، لِأَنَّهُ أَنْكَرَ غَيْرَ اللَّهِ وَجَحَدَ سِوَاه(1).
وَيَقُولُ: فَأَوْجَدَ أَنَّ الَّذِي تَرَاءَى بِالصُّورَتَيْنِ النُّورَانِيَّةِ وَالْبَشَرِيَّةِ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا يَحُولُ عَنْ كِيَانِهِ وَإِنْ ظَهَرَ لِعِيَانِهِ، عَرَفَهُ مَنْ عَرَفَهُ، وَأَنْكَرَهُ مَنْ أَنْكَرَهُ.
وَيَقُولُ: وَمُرَادُ السَّيِّدِ بِقَوْلِهِ: وَلَمْ تَكُنْ تِلْكَ الصُّورَةُ هَذِهِ الصُّورَةَ.
فَإِنَّهُ عَنَى بِقَوْلِهِ: وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ جِنْسِ تِلْكَ الصُّورَةِ، لِأَنَّ جِنْسَ الْمَلَائِكَةِ نُورَانِيُّونَ، وَجِنْسَ الْبَشَرِ آدَمِيُّونَ، فَمَنْ قَالَ إِنَّ الصُّورَةَ الْأُولَى النُّورَانِيَّةَ هِيَ الصُّورَةُ الْأُخْرَى الْبَشَرِيَّةَ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْجَوْهَرِ لَا فِي الْجِنْسِ وَالْمَنْظَرِ: فَقَدْ صَدَقَ.




