قُلْنَا لَهُ: إِنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ الْمَرْئِيَّةَ الَّتِي يَظْهَرُ بِهَا لَيْسَتْ بِمَخْلُوقَةٍ، وَلَوْ قُلْنَا أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ وَالْمَعْنَى مِنْ دُونِهَا: لَكُنَّا كَسَائِرِ الْخَلْقِ بِالسَّوَاءِ.
وَيَقُولُ: فَإِذَا أَجَبْنَاكَ إِلَى أَنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ الْأَنْزَعَ الْبَطِينِ، الرَّبْعِ مِنَ الرِّجَالِ الْأَصْلَعِ الرَّأْسِ، الرَّحْبِ الْبَلْجَةِ، الْخَادِرِ الْعَيْنَيْنِ، الضَّخْمِ الذِّرَاعَيْنِ، الْعَبْلِ الذِّرَاعَيْنِ الْبَعِيدِ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، الْأَحْمَشَ السَّاقَيْنِ: هِيَ هُوَ أَمْ هُوَ غَيْرُهَا؟
قُلْنَا لَهُ: لَوْ قُلْنَا أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ: لَكُنَّا كَسَائِرِ الْخَلْقِ مِنَ الْأَضْدَادِ وَالشِّرَاةِ الَّذِينَ يَلْعَنُونَ وَيَتَبَرَّأُونَ مِنْهُ، وَالنَّاصِبَةِ الَّتِي تُقَدِّمُ عَلَيْهِ غَيْرَهُ.
وَيَقُولُ: وَلَكِنَّا نَقُولُ: إِنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ الْمَرْئِيَّةَ هِيَ هُوَ إِثْبَاتًا وَإِيجَادًا وَعِيَانًا وَيَقِينًا، وَيَقُولُ: فَمَا تَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ وَقَدْ كَانَتْ تِلْكَ الصُّورَةُ مُدْرَكَةً مُعَايَنَةً؟
قُلْنَا لَهُ: لَيْسَ الْإِدْرَاكُ إِحَاطَةً، وَإِنَّمَا الْإِدْرَاكُ الْوُجُودُ وَقَوْلُهُ: ﴿يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ يُعَايِنُ أَبْصَارُ الْخَلَائِقِ جَمِيعًا بِغَيْرِ فَوَاتِ شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا يَغْرُبُ عَلَيْهِ كَوْنُهَا لِأَنَّهُ مُكَوِّنُهَا وَمُكَوِّنُ كِيَانِهَا وَمَكَانِ الْمَكُونِ لَهَا، وَلَا تُدْرِكُهُ أَبْصَارُهُمْ إِلَّا بِقَدْرِ مَا اسْتَحَقُّوا مِنَ الْعِيَانِ.




