لِلْبَشَرِ، وَأَنَّ حَقِيقَتَهَا غَيْرُ مَحْسُوسَةٍ وَلَا مُدْرَكَةٍ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا ظَهَرَ مِنْهُ قُدْرَةً لَيْسَ لَهُ صُورَةٌ تَدْخُلُ التَّحْدِيدَ، بَلْ أَظْهَرَهَا إِثْبَاتًا وَإِيجَادًا وَعِيَانًا وَحَقًّا وَيَقِينًا وَبَيَانًا لَا كَلَّا وَلَا جَمْعًا وَلَا إِحَاطَةً وَلَا إِحْصَارًا.
وَيَقُولُ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ لَا يُكَلِّمُ الْخَلْقَ بِالرُّبُوبِيَّةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا هَيْئَةٌ وَلَا صُورَةٌ؟ قُلْنَا: قَدْ أَرَانَا صُوَرًا كَثِيرَةً، وَيَقُولُ: فَعَلِمْنَا أَنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ عَلَى غَيْرِ مَاهِيِّ مِن تَرْكِيبِ الْبَشَرِيَّةِ، وَأَنَّ الْقَدِيمَ يَظْهَرُ بِهَا إِيجَادًا وَإِثْبَاتًا وَيَقِينًا، لَا كَلَّا وَلَا جَمْعًا وَلَا إِحَاطَةً وَلَا إِحْصَارًا.
وَيَقُولُ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾(1) الْحَاقَّةِ وَهِيَ الصُّورَةُ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ: هُوَ الْقَدِيمُ الَّذِي لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَالْحَوَاسُّ، وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِحَرَكَةٍ وَلَا زَوَالٍ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَا شَرِحْنَاهُ.
وَيَقُولُ: قَالَ السَّائِلُ: فَكَيْفَ صَارَتْ لَهُ صُورَةٌ؟ قَالَ: لِحَاجَةِ الْمَخْلُوقِينَ إِلَيْهَا كَحَاجَتِهِمْ إِلَى الْكَلَامِ، لِأَنَّهُ لَا كَلَامَ إِلَّا مِنْ صُورَةٍ، فَآتَاهُمْ مِنْ حَيْثُ يَعْرِفُونَ، وَهَذَا دَلِيلٌ لِمَا قُلْنَاهُ، وَهُوَ بَيِّنٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَرْحٍ.




