فأنّى لنا ونحن غائصون برابط اللحم والدم والقيود المادية الترابية، وفي عالم تحكمه مقاييس وقوانين مادية، أن نستطيع القفز فجأة لادراك عالم كل مقاييسة روحية يشبه ذلك أن تواجه عيوننا ضوء قوياً ساطعاً يفوق طاقتها، ولو حصل ذلك وواجهت عيوننا مثل هذا الضوء فإن أولى النتائج أن نحرم من التمتع معاينة هذا الضوء بل سيلحق بنا الأذى حيث قال ربنا سبحانه وتعالى ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ﴾(1) ولما كان الناس متفاوتين في قدراتهم العقلية فإنهم لهذا، وبنفس القدرة متفاوتون في مدى تحصيلهم للمعاني العقلية المحتجبة خلف الرموز ولما كانت الأديان قد خاطبتنا بهذا الاسلوب لتقريب المضامين الروحية، فإن ما حصل هو أننا تمسكنا بالاسلوب وعقلنا عن المضمون.
وأن ذلك يعود بنا إلى كل مرة كان يتفتح فيها الوعي الفلسفي للانسان ثم يحاول تفعيل هذا الوعي في مجال فهمه لعقائده الدينية المحتجبة بالرموز، وحيث أن ذلك سيذهب بنا بعيداً فإننا سندع كل محاولات التوفيق بين العقل والدين وتتوقف عند محاولة عرفتها الفلسفة الاسلامية فقد نمت هذه الفلسفة وترعرعت تحت تأثير عاملين أساسين القرآن الكريم، والاحتكاك بالفكر والتراث




