مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مُعَاذَلَةُ النَّفْسِ - هِرْمِسُ الْحَكِيمُ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 9 من 81

الفَصْلُ الثانِي

يا نَفْسُ: لا تُذَمِّي الدُنْيا وَتَقُولِي «هِيَ دارُ خَدِيعَةٍ وَمَصْيَدَةٌ وَغُرُورٌ» فَإِنَّها لَيْسَتْ كَذٰلِكَ إِلَّا عِنْدَ ذَوِي العُقُولِ الناقِصَةِ وَمَنْ يَعْرِضُ لَهُ الجَهْلُ وَالنِسْيانُ وَلَوْ كانَتْ دارُ خَدِيعَةٍ بِالحَقِيقَةِ لَكانَ الإِنْسانُ مُنْذُ بَدْءِ ظُهُورِهِ فِيها إِلَى وَقْتِ خُرُوجِهِ مِنْها لا يُشَافِهُ إِلَّا نَعِيمًا مِنْها وَلَذاتٍ وَسُرُورًا، ثُمَّ تَأْتِيهِ المَساءَةُ حِينَئِذٍ بَغْتَةً فَتُزِيلُهُ عَنْ ذٰلِكَ النَعِيمِ وَيَسْتَحِيلُ بِهِ ما كانَ فِيهِ إِلَى خِلافِ ذٰلِكَ(1).

وَلَيْسَ الأَمْرُ فِيها كَذٰلِكَ بَلْ إِنَّما يَرَى الإِنْسانُ يَنْشَأُ فِي هٰذِهِ الدُنْيا وَيَتَرَبَّى بِأَحْوالٍ مُخْتَلِفَةٍ لا نِظامَ لَها، فَيَوْمًا مَحْزُونٌ، وَيَوْمًا مَسْرُورٌ، وَيَوْمًا مُتَلَذِّذٌ وَيَوْمًا مُتَأَلِّمٌ مُتَوَجِّعٌ، وَالشَيْءُ إِذا اِظْهَرْ لَكَ جَمِيعَ ما فِي طَبْعِهِ فَقَدْ أَنْصَفَكَ وَنَصَحَكَ، وَإِنَّما المُخادِعُ مَنْ كانَ طَبْعُهُ الخَيْرُ وَالشَرُّ، فَاِظْهَرْ لَكَ الخَيْرَ وَأَبْطِنْ الشَرَّ لِوَقْتِ الفُرْصَةِ وَالمُكْنَةِ مِنْكِ.

وَلَسْتُ أَرَى أَحَدًا نالَ مِنْ هٰذِهِ الدُنْيا فُرْصَةً إِلّا وَأَعْقَبَهُ ذٰلِكَ غُصَّةً وَأَلَمًا وَلَيْسَ هٰذا شَرْطُ المُخادَعَةِ مِنْ قِبَلِ الدُنْيا، وَإِنَّما المُخادَعَةُ مِنْ قِبَلِ الإِنْسانِ

الهوامش

1نعم صدق فقد جاء عن المولى امير النحل عز عزه: اعلموا عباد الله أن المتقين ذهبوا بعاجل الدنيا وآجل الآخرة، فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم ولم يشاركوا أهل الدنيا في آخرتهم، سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت، وأكلوها بأفضل ما أكلت فحظوا من الدنيا بما حظي به المترفون، وأخذوا منها ما أخذه الجبابرة المتكبرون، ثم انقلبوا عنها بالزاد المبلغ والمتجر الرابح (المربح)، أصابوا لذة زهد الدنيا في دنياهم، وتيقنوا أنهم جيران الله غدا في آخرتهم، لا ترد لهم دعوة، ولا ينقص لهم نصيب من لذة (ميزان الحكمة)
الصفحة 9 من 81