الدَلائِلِ عَلَى إِنَّ النَفْسَ تُناسِبُ العِلَّةَ الأُولَى ما هُوَ مَوْجُودٌ فِي خُلْقِها مِن إِنَّها تَسْمُو إِلَى الإِحاطَةِ بِجَمِيعِ الأَشْياءِ الَّتِي يَحْتَوِي عَلَيْها المَلَكُوتِ الاعظَمِ وَإِنَّها لَنْ تَلْفيَ(1) مُسْتَقِرَّةً راضِيَةً تامَّةً الرِضَا دُونَ أَنْ تَبْلُغَ العالَمَ العَقْلِيَّ بِجَمِيعِ ما فِيهِ، فَحِينَئِذٍ تُلْفيَ النَفْسَ غَيْرَ طالِبَةٍ شَيْئًا قارَّةً مُسْتَقِرَّةً تامَّةَ الرِضَا، وَمَنْ اِسْتَعْمَلَ الإِفرارَ(2) فِي ذاتِهِ تُوجَّدَ لَهُ حَقِيقَةُ ذٰلِكَ.
يا نَفْسُ: مَا يَكُونُ أَشْقَى مِنْكِ وَأَعْظَمَ حَسْرَةٍ وَقَدْ أَصْبَحْتِ فِي مَحَلِّ الأَعاجِمِ وَحِيدَةً فَرِيدَةً تَبُثِّينَ إِلَيْهِمْ الشَكْوَى بِلَفْظِكَ فَلا يَفْهَمُونَهُ، وَيَبُثُّونَ إِلَيْكَ مِنْ لَفْظِهِمْ ما لا تَفْهَمِينَهُ، وَمَتَى قارَنَ الشَيْءُ خِلافَهُ فَهُوَ مَهْجُورٌ مَوْهُونٌ مَشْغُولٌ عَنْ ذاتِهِ بِذاتِ غَيْرِهِ.
يا نَفْسُ: ما أَعْظَمَ حَسَراتِكِ، إِذْ تَنْطِقِينَ فَلا تَجِدِينَ سامِعًا، وَتَبُثِّينَ الشَكْوَى فَلا تَجِدِينَ راحِمًا، فَياليت شَعْرِي ما عَزاءُ مَنْ أَصْبَحَ غَرِيبًا عَنْ وَطَنِهِ، نائِيًا عَنْ مَعْدِنِهِ، بَعِيدًا عَنْ أَصْلِهِ وَنَعَتِهِ، قَدْ أَوْبَقَهُ هَواهُ، وَشارَفَ اِسْتِثْمارَ زلَّتهِ وَخَطَئِهِ، مَحْمُولًا عَلَى مَرْكَبِ الغُرُورِ وَالشَهْوَةِ، مُقْتَرِنًا بِمَذَلَّةِ اللَهْوِ، وَالتَلَذُّذِ سَاهِيًا فِي طَرَبِهِ مَوْقُوفًا عَلَى عَطَبِهِ، فَلْيَعْلَمْ الراكِبُ فِي لُجَّةِ البَحْرِ فِي المَراكِبِ المُزَخْرَفَةِ عِنْدَ تَحَلُّلِها وَذَوَبَانِهَا، إَنَّهُ صَاحَبَ مَنْ خَذَلَهُ




