مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مُعَاذَلَةُ النَّفْسِ - هِرْمِسُ الْحَكِيمُ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 76 من 81

یا نَفْسُ: خُذِي مِنَ الأَشْياءِ مَا عَرَفْتِهِ وَعَرَفَهُ الجَمِيعُ وَدَعِيَ ما أَنْكَرْتِهِ وَأَنْكَرَهُ الجَمِيعُ، وَقَدْ عَرَفْتِ أَنْتِ وَالجَماعَةُ إِنَّ النارَ حارَّةٌ مُحْرِقَةٌ مُضِيئَةٌ وَإِنَّ المَاءُ بارِدٌ رَطْبٌ سَيَّالٌ يَرْوِي مِنَ العَطَشِ، وَقَدْ عَرَفْتِ إِنَّ كُلَّ الشَيْءِ أَكْثَرُ مِنْ جُزْئِهِ وَأَنَّ المُسْتَوِي غَيْرُ المِعْوَجِّ، وَقَدْ عَرَفْتِ إِنَّ الطُوبَى هُوَ الحَظَّ الشَرِيفُ السَنِيُّ وَأَنَّ الوَيْلَ هُوَ الحَظَّ الخَسِيسُ الدُنِيُّ، وَقَدْ عَلِمْتِ إِنَّ المَرْغُوبَ فِيهِ حَبِيبُ الراغِبِ، وأَنَّ المَزْهُودَ فِيهِ بِغَيضٌ، فانْ كانَ فِراقُ الحَبِيبِ شَرًّا وَمُصِيبَةً وَفِراقُ البَغِيضِ خَيْرًا وَنِعْمَةً، وَإِنْ كانَتْ الدُنْيا مُفارَقَةٌ بِالحَقِيقَةِ وَبِغَيْرِ شَكٍّ، فَقَدْ وَجَبَ الوَيْلُ لِمُحِبِّيها وَالطُوبَى لِمُبْغِضِيها.

يا نَفْسُ: اِنْفَصِلِي مِنْ الطَبِيعَةِ بِوَهْمِكِ ثُمَّ اُنْظُرِي: هَلْ تَجِدِينَ شَيْئًا غَيْرَ ذاتِكِ وَكَوْنِهَا؟ فَإِذا نَعَتْ ذاتَكِ فَقُولِي: هِيَ الجَوْهَرُ الصُوَرِيُّ المُصَوَّرُ المُحَرِّكُ المُتَحَرِّكُ الحَيُّ العاقِلُ المُمَيَّزُ المُتَهَجِّسُ(1) إِلَى مَعانِي إِرادَتِهِ وَمَطْلُوباتِهِ، ذُو الأَخْلاقِ الشَرِيفَةِ الخَيِّرَةِ الَّتِي هِيَ العَدْلُ وَالحِكْمَةُ وَالجُودُ وَالرَحْمَةُ. فَإِذا نَعَتِ ذاتَكِ بِهٰذِهِ المَعانِي، وَكانَتْ ذاتِيَّةً طَبِيعِيَّةً فَقَدْ لَزِمَكِ الإِقْرارُ بِأَنَّكِ أَنْتَ الشَيْءُ الحَيُّ اللَطِيفُ المُدَبَّرُ، فَإِنْ سَمَوْتِ إِلَى نَعْتِ كَدَرَكِ هَلْ تَجِدِينَ لَهُ نَعْتًا ذاتِيًّا أَوْ صِفَةً دُونَ أَنْ تَسْتَعِيرِي لَهُ الصِفاتِ وَالنُعُوتَ فَتَنْعَتِيهِ بِالمَعانِي الَّتِي هِيَ غَيْرُهُ، أَفَلَيْسَ قَدْ لَزِمَكَ الإِقْرارُ بانَ شَيْئًا لا نَعْتَ لَهُ وَلا صِفَةَ ذاتِيَّيْنِ هُوَ شَيْءٌ

الهوامش

1هجَس الأمرُ في نفسي: خطَر، وظهَر لي باطنيًّا، خطر بباله.
الصفحة 76 من 81