وَبِحَقٍّ اِنَّهُ لَوْ رَأَى نائِمٌ فِي مَنامِهِ كَأَنَّهُ مَشاهِدُ الأَشْياءِ كُلِّها سَمِجَةً وَحْشَةً مُؤْذِيَةً، ثُمَّ اِسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ ذٰلِكَ لَوَجَدَ عِنْدَ اِسْتِيقاظِهِ أَعْظَمَ اللَذَّةِ وَأَتَمَّ السُرُورِ وَالرَاحَةِ لِمُفارَقَتِهِ تِلْكَ المَعانِيَ الَّتِي شاهَدَهَا فِي نَوْمِهِ نَعَمْ وَيَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ إِلَى النَوْمِ اِسْتِيحاشًا وَفَزَعًا مِنْ تِلْكَ المَكارِهِ الَّتِي رَآهَا.
يا نَفْسُ: مَتَى أَعْطَتْكِ الدُنْيا شَيْئًا فَلا تَأْخُذِيهِ مِنْها فَإِنَّها رُبَّما تُطْرِيكِ(1) لِتُضْحِكَكِ قَلِيلًا وَتُبْكِيَكِ كَثِيرًا، وَهٰذَا الفِعْلُ مِنْها إِنَّمَا هُوَ بِالطَبْعِ لَا بِالتَكَلُّفِ وَلَنْ يَقْدِرَ الشَيْءُ الطَبِيعِيُّ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَا هُوَ فَأَمَّا النَفْسُ فَلِأَنَّهَا حَيَّةٌ عاقِلَةٌ مُمَيِّزَةٌ فَلَهَا الاسْتِطَاعَةٌ عَلَى أَنْ تَنْخَدِعَ وَعَلَى أَنْ لا تَنْخَدِعَ، فَإِذَا شافَهَتْ أَفْعالَ المُخَادِعِ لَها ثُمَّ اِنْحَرَفَتْ عَنْ خِداعِهِ وَحَذَّرَتْهُ فَقَدْ نَجَتْ مِنْ سُوءِ العَاقِبَةِ وَإِذَا قَبِلَتْ المُخادَعَةَ وَالمُحَالَ فَإِنَّمَا ذٰلِكَ بِهَواهَا وَشَهْوَتِهَا.
وَكَما إِنَّهُ لا يُمْكِنُ لَهَا أَنْ تَقْبَلَ الخِدَاعَ فَكَذٰلِكَ يُمْكِنُهَا أَنْ لَا تَقْبَلَ ذٰلِكَ فَهِيَ مالِكَةُ الاِسْتِطاعَةِ إِنْ شاءَتْ تَحَرَّزَتْ مِنَ الهَلْكَةِ وَإِنْ شاءَتْ دَخْلَتْهَا.
فَاُنْظُرِي يا نَفْسُ: إِلَى هٰذِهِ الوَصَايَا وَتَدَبَّرِي بِها لِتَفُوزِي بِالنَجاةِ إِلَى دَارِ البَقاءِ وَمَحَلِّ النُورِ وَالصَفَاءِ، مَعَ السادَةِ الأَخْيارِ وَالأَنْبِياءِ الأَبْرارِ.




