الفَصْلُ الرابِعَ عَشَرَ
یا نَفْسُ: إِنَّما أَحْلامُ الدُنْيا لَيْسَتْ بِشَيْءٍ حَقٍّ بِالإِضافَةِ إِلَى أَسْبابِ الدُنْيا وَكَذٰلِكَ أَسْبابُ الدُنْيا لَيْسَتْ بِشَيْءٍ حَقٍّ بِالإِضافَةِ إِلَى عالَمِ العَقْلِ الَّذِي هُوَ الشَيْءُ الحَقُّ وَالمَحَلُّ الحَقُّ.
وَإِنَّما شَرَحْتُ لَكِ يا نَفْسُ هٰذِهِ المَعانِي لِئَلّا تَغْتَبِطِي بِمُشاهَداتِكِ الَّتِي فِي عالَمِ الحِسِّ، فَتَكُونِي كَالنائِمِ الَّذِي رَأَى فِي مَنامِهِ أَشْياءَ حَسَنَةً مُبْهِجَةً آنِيَّةً فَرَكَنَ إِلَيْها، فَلَمَّا تَيَقَّظَ حَزِنَ وَجَزَعَ عَلَى مُفارَقَةِ تِلْكَ الأَشْياءِ الَّتِي رَآها فِي نَوْمِهِ حَتَّى إَنَّهُ بِضَعُفِ عَقْلُهِ وَقِلَّةَ عَمَلِهِ يَعُودُ إِلَى النَوْمِ شَوْقًا مِنْهُ إِلَى الأَشْياءِ الَّتِي رَآها فِي نَوْمِهِ، فَإَنْ كَانَ هٰذا يا نَفْسُ قَدْ أَتَّضَحَ لَكِ، فَاِعْلَمِي إِنَّ النَفْسَ إِذَا كانَتْ فِي عالَمِ الكَوْنِ مُشَاهِدَةً لِنَعِيمِهِ وَلِذَاتِهِ وَسُرُورِهِ، فَأَنَّها عِنْدَما تُفارِقَهُ تَأْلَمُ لِذٰلِكَ أَشَدَّ الأَلَمِ وَتَجْزَعُ لَهُ أَشَدَّ الجَزَعِ، وَبِالحَقِيقَةِ إِنَّما تَعُودُ إِلَيْهِ تَطْلُبُ تِلْكَ الأَشْياءَ الَّتِي كانَتْ تُشاهِدُها شَوْقًا إِلَيْها وَاِغْتِباطًا بِها.
وَمَتَى كانَتْ النَفْسُ فِي عالَمِ الكَوْنِ مُشَاهِدَةً لِبُؤْسِهِ وَأَحْزَانِهِ وَضِيقِهِ فَإِنَّهَا عِنْدَمَا تُفارِقُهُ تَجِدُ لِمُفارَقَتِهِ أَعْظَمَ اللَذَّةِ وَأَكْمَلَ السُرُورَ وَالراحَةِ.




