يا نَفْسُ: إِنَّ زَمَانًا تُدَبِّرُ فِيهِ الرَعِيَّةُ السُلْطانَ لَزَمَانٌ مَعْكُوسٌ، وَقَدْ وَجَبَتْ الهَلَكَةُ عَلَى الجَمِيعِ، وَإِذا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الفَرَسُ يُدَبِّرُ الفَارِسَ فَقَدْ وَجَبَ هَلَاكُهُمَا جَمِيعًا، وَإِذَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الجَسَدُ يُدَبِّرُ النَفْسَ فَقَدْ وَجَبَ هَلاكَهُمَا جَمِيعًا.
يا نَفْسُ: إِنَّ السِياسَةَ هِيَ خُلَّةٌ لا تَصْلُحُ لِمَخْلُوقٍ البَتَّةَ وَإِنَّمَا هِيَ مِحْنَةٌ يَمْتَحِنُ بِهَا النَاسُ، فَإَنْ اِمْتَحَنَ بِهَا العاقِلُ الرَشِيدُ تَبَيَّنَ مِنْ نَفْسِهِ الضَعْفَ عَنْ القِيامِ بِتَدْبِيرِهَا فَخَضَعَ وَذَلَّ وَرَغِبَ إِلَى سائِسِ الكُلِّ وَعَلَتُهُ الفائِضُ بِالخَيْرِ كُلِّهِ عَلَى الطالِبِينَ إِلَيْهِ، فَاِكْتَسَبَتْ نَفْسَهُ بِاِنْصِبابِها إِلَى الخَيْرِ خَيْرًا وَبَصِيرَةً، فَيُهْدَي إِلَى حُسْنِ السِيرَةِ وَالقَصْدِ إِلَى وَجْهِ الإِصابَةِ وَالنَجاةِ مِنَ الخَطَأِ بِحُسْنِ التَوْفِيقِ، فَتَكُونُ هٰذِهِ النَفْسُ تَشْرَبُ مِنْ يَنْبُوعِ الخَيْرِ وَالعَدْلِ ثُمَّ تَفِيضُ بِما فِيها عَلَى مَنْ تَشْمَلُهُ سِياسَتُها فَبِذٰلِكَ يَكُونُ ظُهُورُ العَدْلِ وَالخَيْرِ وَسَعادَةُ السائِسِ وَالمَسُوسِ.
وَأَمَّا الجَاهِلُ فَإِنَّهُ إِذا اِمْتُحِنَ بِالسِياسَةِ سَرَّهُ ذٰلِكَ وَأَبْهَجَهُ، وَرَأَى إِنَّ فِي قُوَّتِهِ وَطَبْعِهِ مَا يَقُومُ بِهَا وَبِأَضْعَافِهَا فَحِينَئِذٍ يَتَهاوَنُ بِهَا وَبِتَدْبِيرِهَا وَيَنْصَرِفُ بِجَمِيعِ قُوَّتِهِ إِلَى التَلَذُّذِ وَالتَنَعُّمِ المُثْمِرِينِ الجَهْلَ وَالعَمَى وَالزَلَلِ وَالخَطَأَ فَتَكُونُ تِلْكَ النَفْسُ تَشْرَبُ مِنْ يَنْبُوعِ الشَرِّ وَالجَوْرِ وَتَفِيضُ بِما فِيها عَلَى مَنْ




